السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

من بعض أقوال النصارى و غيرهم من الجهلة "أن المهر ثمن للمرأة يدفعه الرجل في مقابل الاستمتاع بها! فكأنه يشتريها بهذا المال الذي يبذله لها"

فاليكم ما قدرني عليه المولى عز و جل نقله عن فضيلة الشيخ القرضاوي حفظه الله...


مشروعية المهر في الإسلام وحكمته:
ونعود إلى موضوع المهر فنقول مبدأ المهر، أو الصداق وهو ما يعطى من الرجل للمرأة عند الزواج ثابت بالكتاب والسنة وبالإجماع، استقر العمل عليه، وعرفه الخاص والعام من أبناء المسلمين فأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة.

والحكمة من وراء شرعية هذا المهر عدة أمور:

1ـ تكريم المرأة بأن تكون هي المطلوبة لا الطالبة، والتي يسعى إليها الرجل لا التي تسعى إلى الرجل، فهو الذي يطلب ويسعى ويبذل، على عكس الأمم التي تكلف المرأة أن تبذل هي للرجل من مالها، أو مال أهلها، حتى يقبل الزواج منها.
وهذا عند الهنود وغيرهم، حتى إن المسلمين في باكستان والهند لا زال عندهم رواسب من هذه الجاهلية الهندوسية إلى اليوم، مما يكلف المرأة وأهلها شططًا، ويرهقهم عسرًا، إلى حد أن بعض الأسر تبيع ما تملك لتزوج بناتها، ويا ويل أبي البنات الفقير، وأم البنات الأرملة المسكينة.!!.

2ـ إظهار الرجل رغبته في المرأة ومودته لها، فهو يعطيها هذا المال نحلة منه، أي عطية وهدية وهبة منه، لا ثمنًا للمرأة كما يقول المتقولون.... وفي ذلك يقول القرآن بصريح العبارة: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئَا مريئَا). (النساء: 4).

3ـ الإشعار بالجدية، فالزواج ليس ملهاة يتسلى بها الرجال، فيقول الرجل للمرأة: تزوجتك ويربطها به، ثم لا يلبث أن يدعها ليجد أخرى يقول لها ما قال للأولى.. وهكذا.
إن بذل المال دليل على أن الرجل جادُّ في طلبه للمرأة، جاد في الارتباط بها، وإذا كان الناس فيما هو دون الزواج وحياة الأسرة يدفعون رسومًا وتأمينات وعرابين، دلالة على الجدية، فلا غرو أن تكون حياة الأسرة أحق بذلك وأولى. ومن هنا يفرض الإسلام نصف المهر على من تزوج ثم طلق قبل أن يدخل بالزوجة أو يمسها، تقديرًا لهذا الميثاق الغليظ والرباط المقدس، مما يدل على أن الاستمتاع ليس هو الأساس، فهنا لم يحدث أي استمتاع، قال تعالى:
(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح). (البقرة: 237).

4ـ أن الإسلام قد جعل القوامة على الأسرة بيد الرجل، لقدرته الفطرية على التحكم في انفعالاته أكثر من المرأة، ولأنه أقدر الجنسين على إدارة هذه الشركة، فمن العدل أن يغرم الرجل في مقابلة هذا الحق الذي أعطي له، حتى لا يتهاون في هدم الأسرة لأدنى سبب، لأنه الغارم في بنائها، فإذا تهدمت كان هدمها على أم رأسه.
قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم). (النساء: 34).

مؤيدات ومؤكدات:

ومما يؤيد ما قلناه ويؤكده جملة أدلة منها:
1ـ أن الشرع رغَّب في تقليل المهر، وعدم المغالاة فيه، وهذا ما وضحته السنة القولية والعملية.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: أكثرهن بركة أقلهن صداقًا..
وقد تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض نسائه على دراهم قليلة.
وكذلك زوج بناته بأيسر المهور، ويكفي في ذلك مهر أحب بناته إليه، وهي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، فقد مهرها علي درعًا له! رضي الله عنهما.

2ـ وردت السنة الصحيحة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج بعض النساء من بعض الرجال على غير مال أصلاً، حين قال له:" التمس ولو خاتمًا من حديد"، فلم يجد شيئًا حتى هذا الخاتم. ووجد عند الرجل بعض سور من القرآن يحفظها، فقال له " زوجناكها بما معك من القرآن "!.

3ـ أن الاستمتاع قدر مشترك بين الرجل والمرأة، فكما أن الرجل يستمتع بامرأته، فالمرأة تستمتع بزوجها، وإلى هذا أشار القرآن الكريم بقوله:
(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). (البقرة: 187).
فكل منهما يؤدي للآخر ما يؤديه اللباس من الستر والوقاية والدفء والزينة، والالتصاق، وكل ما توحي به كلمة " اللباس " في هذا المقام.
فلا يصلح استمتاع الرجل بزوجته أن يكون مقابلا للمهر، مادام أمرًا مشتركًا بينهما.

4ـ أن القرآن أشار إلى دعائم الحياة الزوجية، فجعلها دعائم معنوية في الأساس لا حسية، فقال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). (الروم: 21).
فالسكون والمودة والرحمة أمور عاطفية نفسية، وإن كان قد يدخل في السكون إلى الأزواج الجانب الجنسي، الذي يجعل كلا منهما ينجذب إلى الآخر بحكم الفطرة، وبمقتضى قانون الزوجية العام في الكون كله.
على أن الإسلام لا ينظر إلى الصلة الجنسية المشروعة على أنها أمر مستقذر لا يليق بالإنسانية المؤمنة، كما هي حياة الرهبان وأمثالهم، بل قال تعالى: وهو يتحدث عن الصيام وأحكامه، والدعاء وآدابه: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن).

هذا و الله أعلم.