عقيدة التوحيد في بناء الإنسان


آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

عقيدة التوحيد في بناء الإنسان

صفحة 11 من 13 الأولىالأولى ... 910111213 الأخيرةالأخيرة
النتائج 101 إلى 110 من 121

الموضوع: عقيدة التوحيد في بناء الإنسان

  1. #101
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 10 )
    سورة الأعلى

    تتضمن" سورة الأعلى" على الثابت من قواعد التصور الإيماني: من توحيد الرب الخالق وإثبات الوحي الإلهي، وتقرير الجزاء في الآخرة.
    وهي مقومات العقيدة الأولى.
    ثم تصل هذه العقيدة بأصولها البعيدة، وجذورها الضاربة في شعاب الزمان:

    إن هذا لفي الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى

    وفي رواية للإمام أحمد عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحب هذه السورة : سبح اسم ربك الأعلى..
    وفي صحيح مسلم أنه كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، و هل أتاك حديث الغاشية.
    . وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما..


    سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)

    والتسبيح هو التمجيد والتنزيه واستحضار معاني الصفات الحسنى لله تعالى، وتوحي بالحياة مع الإشراقات المنبثقة من استحضار معاني الصفات.

    وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ هذا الأمر، ثم يعقب عليه بالاستجابة المباشرة، قبل أن يمضي في آيات السورة، يقول: سبحان ربي الأعلى.. فهو خطاب ورده. وأمر وطاعته. إنه في حضرة ربه، يتلقى مباشرة ويستجيب. في أنس وفي اتصال قريب. وحينما نزلت هذه الآية قال: " اجعلوها في سجودكم " وحينما نزلت قبلها: فسبح باسم ربك العظيم
    قال: " اجعلوها في ركوعكم ". فهذا التسبيح في الركوع والسجود كلمة حية ألحقت بالصلاة . لتكون استجابه مباشرة لأمر مباشر. أو بتعبير أدق.. لإذن مباشر.. فإذن الله لعباده بأن يحمدوه ويسبحوه إحدى نعمه عليهم وأفضاله. إنه إذن بالاتصال به ـ سبحانه ـ في صورة مقربة إلى مدارك البشر المحدودة. صورة تفضل الله عليهم بها ليعرفهم ذاته. في صفاته. في الحدود التي يملكون أن يتطلعوا إليها. وكل إذن للعباد بالاتصال بالله في أي صورة من صور الاتصال، هو مكرمة له وفضل على العباد.

    الذي خلق كل شيء فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه.. والذي قدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله، وألهمه غاية وجوده؛ وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه أيضاً..

    فالخلية الحية المفردة كاملة الخلقة والاستعداد لأداء وظائفها كلها، شأنها شأن أرقى الخلائق الحية المركبة المعقدة.

    وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية؛ كما بين الخلية الواحدة وأرقى الكائنات الحية، درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي، وفي مثل هذا التناسق الجماعي، وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفها.
    . والكون كله هو الشاهد الحاضر على هذه الحقيقة العميقة..

    والمرعى كل نبات. وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق الله. فهو هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا.
    فالله خلق هذه الأرض وقدر فيها أقواتها لكل حي يدب فوق ظهرها أو يختبئ في جوفها، أو يطير في جوها.

    والمرعى يخرج في أول أمره خضراً، ثم يذوي فإذا هو غثاء، أميل إلى السواد فهو أحوى، وقد يصلح أن يكون طعاماً وهو أخضر، ويصلح أن يكون طعاماً وهو غثاء أحوى. وما بينهما فهو في كل حالة صالح لأمر من أمور هذه الحياة، بتقدير الذي خلق فسوى وقدر فهدى.والإشارة إلى حياة النبات هنا توحي بأن كل نبت إلى حصاد. وأن كل حي إلى نهاية.
    وهي اللمسة التي تتفق مع الحديث عن الحياة الدنيا والحياة الأخرى.. بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى.. والحياة الدنيا كهذا المرعى، الذي ينتهي فيكون غثاء أحوى.. والآخرة هي التي تبقى.

    سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى (6) إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)

    بشرى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تريحه وتطمئنه على هذا القرآن العظيم الجميل الحبيب إلى قلبه. الذي كان يردده آية آية وجبريل يحمله إليه، وتحريك لسانه به خيفة أن ينسى حرفاً منه. حتى جاءته هذه البشائر المطمئنة بأن ربه سيتكفل بهذا الأمر عنه.

    وهي بشرى لأمته من ورائه، تطمئن بها إلى أصل هذه العقيدة. فهي من الله. والله كافلها وحافظها في قلب نبيها. وهذا من رعايته سبحانه، ومن كرامة هذا الدين عنده، وعظمة هذا الأمر في ميزانه.

    سنقرئك -أيها الرسول- هذا القرآن قراءة لا تنساها, إلا ما شاء الله مما اقتضت حكمته أن ينسيه لمصلحة يعلمها. إنه - سبحانه- يعلم الجهر من القول والعمل, وما يخفى منهما.

    وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (13)

    ونيسرك لليسرى في جميع أمورك, ومن ذلك تسهيل تَلَقِّي أعباء الرسالة, وجعل دينك يسرًا لا عسر فيه.
    إن الذي ييسره الله لليسرى ليمضي في حياته كلها ميسراً. يمضي مع هذا الوجود المتناسق التركيب والحركة والاتجاه.. إلى الله.. فلا يصطدم إلا مع المنحرفين عن خط هذا الوجود الكبير , يمضي في حركة يسيرة لطيفة هينة لينة مع الوجود كله ومع الأحداث والأشياء والأشخاص، ومع القدر الذي يصرف الأحداث والأشياء والأشخاص.
    اليسر في يده. واليسر في لسانه. واليسر في خطوه. واليسر في عمله واليسر في تصوره. واليسر في تفكيره. واليسر في أخذه للأمور. واليسر في علاجه للأمور. اليسر مع نفسه واليسر مع غيره.

    وهكذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل أمره.. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما روت عنه السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وكما قالت عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، بساماً ضحاكاً "
    وفي هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اللباس والطعام والفراش وغيرها ما يعبر عن اختيار اليسر وقلة التكليف ألبتة.

    ونهى عن التشدد في كل الأمور حتى في أمور العقيدة.

    ومن هذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " (أخرجه البخاري)..
    " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم.. " (أخرجه أبو داود)..
    إن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " (أخرجه البخاري)..
    يسروا ولا تعسروا " (أخرجه الشيخان).

    في أمور المعاملات
    قوله ـ صلى الله عليه وسلم :
    رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى (أخرجه البخاري)
    المؤمن هين لين . (أخرجه البيهقي)
    المؤمن يألف ويؤلف . (أخرجه الدارقطني).
    إن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم . أخرجه الشيخان.
    ومن قوله: " إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق (أخرجه الترمذي)..

    وسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها صفحات من السماحة واليسر والهوادة واللين والتوفيق إلى اليسر في تناول الأمور جميعاً.

    سيتعظ بتلك الشريعة السمحة الميسرة : الذي يخاف ربه, ويبتعد عن الذكرى الأشقى الذي لا يخشى ربه, الذي سيدخل نار جهنم العظمى يقاسي حرَّها, ثم لا يموت فيها فيستريح, ولا يحيا حياة تنفعه.

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)

    قد فاز مَن طهر نفسه من الأخلاق السيئة، وذكر الله, فوحَّده ودعاه وعمل بما يرضيه, وأقام الصلاة في أوقاتها؛ ابتغاء رضوان الله وامتثالا لشرعه.

    بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)
    إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)

    إن ما أخبرتم به في هذه السورة هو مما ثبت معناه في الصُّحف التي أنزلت قبل القرآن، وهي صُحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

    *****

    وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
    لله سبحانه وتعالى

    إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحدة ، من أحصاها دخل الجنة .
    هو الله الذي لا إله إلا هو
    الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرؤوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور
    الراوي: أبو هريرة المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3507


    ********

    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

    «« توقيع Saber Abbas »»

  2. #102
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 11 )
    سورة الغاشية

    جمعت سورة الغاشية أركانا هامة من عقيدة التوحيد التي تقوم على الإيمان
    بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و الإيمان بالقدر خيره وشره .
    حيث طوفت بنا في مجال الآخرة وعالمها الواسع، ومشاهدها المؤثرة. ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر، وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع. ثم تذكرنا بعد هاتين الجولتين بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف.

    هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ - 1 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ -2 عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ -3 تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً -4 تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ -5 لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِن ضَرِيعٍ -6 لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ -7

    تبدأ السورة بهذا الاستفهام الموحي بالعظمة الدال على التقرير؛
    و الغاشية.. هي التي تغشى الناس وتغمرهم بأهوالها. وهو من الأسماء الجديدة الموحية التي وردت في هذا الجزء.. الطامة.. الصاخة.. الغاشية.. القارعة.. مما يناسب طبيعة هذا الجزء المعهودة.
    وهذا الخطاب يذكر به وينذر ويبشر؛ ويستجيش به في الضمائر الحساسية والخشية والتقوى والتوجس؛ كما يثير به الرجاء والارتقاب والتطلع. ومن ثم يستحيي هذه الضمائر فلا تموت ولا تغفل.

    ثم يعرض شيئاً من حديث الغاشية:

    إنه يعجل بمشهد العذاب قبل مشهد النعيم؛ فهو أقرب إلى جو الغاشية وظلها.. فهناك: يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة؛ عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضاً وإرهاقاً وتعباً، فهي: عاملة ناصبة.. عملت لغير الله، ونصبت في غير سبيله. عملت لنفسها ولأولادها. وتعبت لدنياها ولأطماعها. ثم وجدت عاقبة العمل والكد. وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد. ووجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب. وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل المرهق .
    ومع هذا الذل والرهق العذاب والألم : تصلى ناراً حامية , وتذوقها وتعانيها.

    تسقى من عين آنية.. حارة بالغة الحرارة.. , ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع .. والضريع قيل: شجر من نار في جهنم. استناداً إلى ما ورد عن شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم. وقيل: نوع من الشوك اللاطئ بالأرض، ترعاه الإبل وهو أخضر، ويسمى " الشبرق " فإذا جني صار اسمه " الضريع " ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام . فهذا أو ذاك هو لون من ألوان الطعام مع الغسلين والغساق وباقي هذه الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع .

    *****

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ -8 لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ -9 فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ -10 لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً -11 فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ -12 فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ -13 وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ - 14 وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ -15 وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ -16

    وعلى الجانب الآخر: وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية : في جنة عالية. لا تسمع فيها لاغية. فيها عين جارية. فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة..

    فهنا وجوه يبدو فيها النعيم. ويفيض منها الرضى. وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما عملت. فوجدت عقباه خيراً، وتستمتع بهذا الشعور الروحي الرفيع. شعور الرضى عن عملها حين ترى رضى الله عنها. وليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته، ثم يراها ممثلة في رضى الله الكريم. وفي النعيم.
    في جنة عالية.. عالية في ذاتها رفيعة مجيدة. ثم هي عالية الدرجات. وعالية المقامات.
    لا تسمع فيها لاغية.. ويطلق هذا التعبير جواً من السكون والهدوء والسلام والاطمئنان والود والرضى والنجاء والسمر بين الأحباء والأوداء، والتنزه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية.. وهذه وحدها نعيم. وهذه وحدها سعادة.
    سعادة تتبين حين يستحضر الحس هذه الحياة الدنيا، وما فيها من لغو وجدل وصراع وزحام ولجاج وخصام وضجة وصخب، وهرج ومرج. ثم يستسلم بعد ذلك لتصور الهدوء والأمن والسلام الساكن والود الرضي والظل الندي في العبارة الموحية : لا تسمع فيها لاغية .
    وتوحي هذه اللمسة بأن حياة المؤمنين في الأرض وهم ينأون عن الجدل واللغو، هي طرف من حياة الجنة ، يتهيأون بها لذلك النعيم الكريم.
    وهكذا يقدم الله من صفة الجنة هذا المعنى الرفيع الكريم الوضيء.
    ثم تجيء المناعم التي تشبع الحس والحواس. تجيء في الصورة التي يملك البشر تصورها. وهي في الجنة مكيفة وفق ما ترتقي إليه نفوس أهل الجنة. مما لا يعرفه إلا من يذوقه .
    فيها عين جارية.. والعين الجارية: الينبوع المتدفق. وهو يجمع إلى الري الجمال. جمال الحركة والتدفق والجريان. وهو متعة للنظر والنفس من هذا الجانب الخفي، الذي يتسرب إلى أعماق الحس.

    فيها سرر مرفوعة.. والارتفاع يوحي بالنظافة كما يوحي بالطهارة..
    وأكواب موضوعة.. مصفوفة مهيأة للشراب لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد‍ .
    ونمارق مصفوفة.. والنمارق الوسائد والحشايا للاتكاء في ارتياح .
    وزرابي مبثوثة.. والزرابي البسط ذات الخمل " السجاجيد " مبثوثة هنا وهناك للزينة وللراحة سواء .


    وكلها مناعم مما يشهد الناس له أشباها في الأرض. وتذكر هذه الأشياء لتقريبها إلى مدارك أهل الأرض. أما طبيعتها وطبيعة المتاع بها فهي موكولة إلى المذاق هناك. للسعداء الذين يقسم الله لهم هذا المذاق .

    والمتأمل في آيات الله الكونية يدرك
    عظيم قدرة الله تعالى في الكون المنظور
    حيث لايوجد عذر للكافر والملحد والمشرك في عدم معرفتهم بالخالق الأعظم

    وننظر الى تلك الآيات على أرض الواقع

    أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ -17 وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ -18
    وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ –19 وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ -20

    ومع التأمل في مخلوقات الله والكون من حولنا يعيش المؤمن ,
    فلننظر إلى الإبل كيف سخرها ربنا لنا , بهذا الحجم الهائل يسوقها غلام صغير ,ولولا تسخير الله لها , ما كنا نستطيع أن نستفيد بها
    والمتأمل في السماء يدرك عظمة الخالق, لهذا الكون العظيم , من مجرات ونجوم وكواكب وأقمار ,
    وكلها تسير في مدارات وضعت لها ,
    ولو إنحرفت عن هذه المسارت ,... لم أستطع أن أعبر عن مدى الدمار الذي يحدث ؟؟
    وعلى الأرض نرى هذه الجبال الشامخة , وكيف نصبت على هذه الهيئة التي تحفظ توازن الأرض بإذن الله .
    والمتأمل والدارس لكوكب الأرض يراى عجائب صنع الله ,
    فباطن الأرض مرتفع الحرارة , تعبر عنه البراكين والحمم ,
    فكلنا رأينا ما يخرج من البراكين من نيران ومنصهرات تذيب ما تقع
    عليه في لحظات , ومع هذا الجحيم في باطن الأرض
    نرى سطح الأرض أمنا معبد للإنسان.. , به الأودية والأنهار والبحار
    والزروع وجميع الأحياء , رغم أن باطن الأرض منصهر
    . فكيف سطحت هذه الأرض بهذه الكيفية الأمنة ؟ , والجواب .. قدرة الله العظيم


    *******

    فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ - 20 لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ -21
    إِلا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ –22 فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ -23
    إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ -24 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ- 25

    فذكر- أيها الرسول - بهذا وذاك. ذكرهم بالآخرة وما فيها. وذكرهم بالكون وما فيه. إنما أنت مذكر. هذه وظيفتك على وجه التحديد. وهذا دورك في هذه الدعوة، ليس لك ولا عليك شيء وراءه. عليك أن تذكر. فإنك ميسر لهذا ومكلف إياه.
    لست عليهم بمسيطر.. فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئاً. حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان. فالقلوب بين أصابع الرحمن، لا يقدر عليها إنسان.

    فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان. إنما كان لتحرير إرادة الناس و لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى البشر كافة. فلا يمنعوا من سماعها. ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها .

    ******

    فإن من خصائص الآلهية , الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والاجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل " أتدري ما حق الله على العباد ؟ "
    قال الله ورسوله أعلم قال " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
    ثم أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم "
    الراوي: معاذ بن جبل المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 6500
    خلاصة الدرجة: [صحيح]

    *******

    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

    «« توقيع Saber Abbas »»

  3. #103
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 12 )
    سورة الفجر

    وَٱلْفَجْرِ -1 وَلَيالٍ عَشْرٍ -2 وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ -3 وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ -4 هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ -5



    والفجر .. ساعة تنفس الحياة في يوم جديد , والوجود الغافي يستيقظ رويداً رويداً، وكأن أنفاسه مناجاة، وكأن تفتحه ابتهال . أصبحنا وأصبح الملك لله , الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور .
    ولو أدركت الشعوب الإسلامية قيمة الفجر وتم ضبط مواعيد عملها بعد الفجر , لتغير حالنا ولاصبحنا أرقي دول العالم حيث النشاط , وتحصيل الأرزاق من البكور , بعد الصلة المباشرة بالله تعالى في صلاة الفجر , إن قرآن الفجر كان مشهودا .

    وليال عشر أطلقها النص القرآني ووردت فيها روايات شتى.. قيل هي العشر من ذي الحجة، وقيل هي العشر من المحرم. وقيل هي العشر من رمضان.. فهي ليال عشر يعلمها الله. ولها عنده شأن .
    ومن ثم يعقب عليه في النهاية , هل في ذلك قسم لذي حجر ؟ وهو سؤال للتقرير. إن في ذلك قسماً لذي لب وعقل. إن في ذلك مقنعاً لمن له إدراك وفكر.

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ -6 إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ -7 ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ -8 وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ -9 وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ -10 ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ -11 فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ -12 فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ - 13 إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ -14

    وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم.. وقد كذبوا بعقيدة التوحيد وإنكار الأخرة .
    مصرع : " عاد إرم " وهي عاد الأولى. وقيل: إنها من العرب العاربة أو البادية. وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال. في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن. وكانوا بدواً ذوي خيام تقوم على عماد. وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها: التي لم يخلق مثلها في البلاد , في ذلك الأوان..

    وثمود الذين جابوا الصخر بالواد .. وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام. وقد قطعت الصخر وشيدته قصوراً؛ كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات..

    وفرعون ذي الأوتاد.. وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان. وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار.
    فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: فصب عليهم ربك سوط عذاب.
    إن ربك لبالمرصاد , أي أن العقاب الذي شمل الأمم السابقة ليس ببعيد عن السالكين مسلكهم .
    هل أدركنا قيمة عقيدة التوحيد في النجاة , سواء في الدنيا أو الأخرة .

    *******

    فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ -15 وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ -16 كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ -17 وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ -18 وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً -19 وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً -20 كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً -21 وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً -22 وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ -23 يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي -24 فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ -25 وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ -26 يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ -27 ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً -28 فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي -29 وَٱدْخُلِي جَنَّتِي -30

    فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن..
    فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال، ومن بسط وقبض، ومن توسعة وتقدير.. يبتليه بالنعمة والإكرام. بالمال أو المقام. فلا يدرك أنه الابتلاء، تمهيداً للجزاء. إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه عند الله للأكرام، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره.
    فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة . ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة .
    ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك، ويحسب الاختبار عقوبة، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله ،
    وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير.
    فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده. ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر. ويظهر منه الصبر على المحنة او الضجر. والجزاء على ما يظهر منه بعد. وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء..
    وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا. ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض.
    فهو يعطي الصالح والطالح، ويمنع الصالح والطالح. ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعول. إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي. والمعول عليه هو نتيجة الابتلاء .

    غير أن الإنسان ـ حين يخلو قلبه من الإيمان ـ لا يدرك حكمة المنع والعطاء. ولا حقيقة القيم في ميزان الله..
    فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنالك. واطمأن إلى قدر الله به في الحالين؛ وعرف قدره في ميزان الله بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء .
    كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان. ليس بسط الرزق دليلاً على الكرامة عند الله. وليس تضييق الرزق دليلاً على المهانة والإهمال. إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء، ولا توفون بحق المال. فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه، ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين .
    كما يوحي بضرورة التكافل في المجتمع الإسلامي و التوجه إلى الواجب وإلى الخير العام. وهذه سمة الإسلام.
    .. إنكم لا تدركون معنى الابتلاء. فلا تحاولون النجاح فيه، بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم ـ على العكس ـ تأكلون الميراث أكلاً شرهاً جشعاً , وتحبون المال حباً كثيراً طاغياً ، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام.

    ثم يجيء التهديد بيوم الجزاء وحقيقته، بعد الابتلاء ونتيجته ,
    كلا. إذا دكت الأرض دكاً دكا. وجآء ربك والملك صفاً صفا. وجيء يومئذ بجهنم . يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى؟
    يقول : يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد..

    يومئذ يتذكر الإنسان .. الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء. والذي أكل التراث أكلاً لما، وأحب المال حباً جما. والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين. والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى.. ولكن لقد فات الأوان - وأنَّى له الذكرى؟ .. ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً , وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا .

    وحين تتجلى له هذه الحقيقة : يقول: يا ليتني قدمت لحياتي .. يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي هنا. فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة. وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها. يا ليتني.. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة .

    وفي وسط هذا الهول المروع، وهذا العذاب والوثاق، الذي يتجاوز كل تصور تنادى - النفس - المؤمنة من الملأ الأعلى:
    يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي..
    هكذا في عطف وقرب: يا أيتها وفي روحانية وتكريم: يا أيتها النفس.. وفي ثناء وتطمين.. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك .. ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد.
    ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة , راضية مرضية .. فادخلي في عبادي .. المقربين المختارين لينالوا هذه القربى.. وادخلي جنتي ... في كنفي ورحمتي..

    *******

    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

    «« توقيع Saber Abbas »»

  4. #104
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 13 )
    سورة البلد

    وإستكمالا لمبدأ التوحيد في القرآن العظيم نعيش مع أنوار سورة البلد
    حيث تضمنت حقيقة خلق الإنسان وأنه في مكابدة متصلة , والمكابدة وهي بذل الجهد قد تكون في الخير وقد تكون في غير ذلك , فقد سعد وفاز من بذل جهده في تحصيل الحسنات من أعمال الخير , وقد خاب وخسر من بذل الجهد في المعاصي وتحصيل السيئات فقد تعب في الدنيا و الأخرة . وقد أمد الله تعالى الإنسان بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى منها نعمة العقل والإدراك والأختيار بين البديلات ونعمة السمع ونعمة البصر ونعمة النطق ,
    وطلب منا أن ننهض بإقتحام العقبة التي تحول بين الحضارة البشرية , فلا حضارة في ظل إستعباد البشر للبشر, ولا حضارة في ظل الفقر .
    فيجب تحرير العبيد , كما يجب القضاء على الفقر بمبدأ التكافل الأجتماعي برعاية الأيتام وكفالة المساكين والفقراء ,
    ثم التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة وهي إشاعة الشعور بواجب التراحم بين أفراد الأمة.
    كل هذه المعاني العظيمة التي تسطر في مجلدات أتت بها سورة البلد في أيات معدودة غاية الإعجاز.
    فتعالوا نقتبس من أنوارها بعض المعاني نهتدي بها.


    ****

    لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)
    لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)
    أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)
    ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

    ******
    لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا البلد. ووالد ما ولد. لقد خلقنا الإنسان في كبد .

    والبلد هو مكة. بيت الله الحرام. أول بيت وضع للناس في الأرض. ليكون مثابة لهم وأمناً. يضعون عنده سلاحهم وخصوماتهم وعداواتهم، ويلتقون فيه مسالمين، حراماً بعضهم على بعض، كما أن البيت وشجره وطيره وكل حي فيه حرام. ثم هو بيت إبراهيم والد إسماعيل أبي العرب والمسلمين أجمعين.


    وحين يقسم الله ـ سبحانه ـ بالبلد والمقيم به، فإنه يخلع عليه عظمة وحرمة فوق حرمته، فيبدو موقف المشركين الذين يدعون أنهم سدنة البيت وأبناء إسماعيل وعلى ملة إبراهيم، موقفاً منكراً قبيحاً من جميع الوجوه.

    ووالد ما ولد.
    إشارة خاصة إلى إبراهيم، أو إلى إسماعيل ـ عليهما السلام ـ وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به، وبانيه الأول وما ولد.. وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو: والد وما ولد إطلاقاً. وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية، واعتمادها على التوالد. منذ أبو البشر أدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    لقد خلقنا الإنسان في كبد
    والكبد هو بذل الجهد في تحصيل غاية معينة , فلن تبلغ الغاية بالأماني الكاذبة ,
    قال تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا-123 النساء

    والمؤمن يبذل جهده في وجوه الخير طيلة العمر حتى يلاقي ربه مخلصا من كل شوائب الشرك , فالغاية عنده هي رضى الله تعالى , حيث النعيم الأبدي.
    أما غير المؤمن يبذل جهده في هذه الدنيا لغايات عديدة منها صالحة وغير صالحة , فيحصل على نتائج ما يريد في الدنيا ولا نصيب له في الأخرة إلا الشقاء . فقد شقي في الدنيا والأخرة .
    قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا – 20 الإسراء
    فإن عطاء الله الكريم الواهب لجميع النعم تشمل جميع الخلق , فمن بذل جهده في التصنيع سوف يجني ثمار ذلك تقدما وحضارة , ومن بذل جهده في العمران وتخطيط المدن وتوسعة الطرق التي هي بمثابة شرايين الحياة في المدن , سوف يحقق رخاءا وتنمية تعود عليه وعلى أولاده . أما من ترك بذل الجهد في البحث العلمي والصناعة والتخطيط العمراني وتوسعة لشبكات الطرق والمواصلات , فسوف يعيش في تخلف وشقاء ومعاناة ,

    والمكابدة والجهد في جميع المخلوقات
    فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو : من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذوراً أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها ـ إذا أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم .

    *****

    ومبدأ التوحيد يقتضي منا أن ندرك أن الله تعالى يرانا أينما كنا ويسمعنا ويعلم مافي الصدور,
    فهو السميع البصير.
    والسميع البصير , صفتان من صفات الكمال الإلهي حيث لاشبيه له ولا تمثيل ,
    فهو السميع الذي لا يشغله نداء عن نداء ..
    تستوي في كمال سمعه الأصوات , ولا تختلف عليه اللغات
    فهو سبحانه سميع لكل الموجودات البصير بها
    ويرى كل الوجود جملة وتفصيلا ليس كمثله شئ .
    قال تعالى لموسى وهارون في سورة طه 46 :
    قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
    "قال لا تخافا إنني معكما" بعوني "أسمع" ما يقول "وأرى" ما يفعل .

    ******

    فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ .

    عقبات يجب أن يجتازها الإنسان لكي ينجو بنفسه في الأخرة
    وأول هذه العقبات تحرير العبيد والقضاء على نظام الرق.
    فقد قضى الإسلام على الرق من جذوره
    إذ أن مصدر الرق كان الأسر في الحروب , وقد أغلق هذا الباب.
    قال تعالى في سورة محمد : حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً .
    وبذلك أغلق باب الإسترقاق
    وجعل من التقرب إلى الله عتق العبيد المستبقين من النظم السابقة.

    ولكن للأسف الشديد نجد اليوم من يتاجرون بالبشر , فقد ورد خبر على شبكة النت ,
    الأطفال اللاجئون سلع بشرية بأوروبا .
    قالت وكالة حقوقية أوروبية إن كثيرا من الأطفال الذين يختفون من مراكز اللجوء في القارة سنويا، يقعون على الأرجح في براثن شبكات الاتجار بالبشر. المصدر: الألمانية 7/7/2009- الجزيرة .نت

    ومن العقبات التي نراها الأن مشكلة الفقر وأن على المجتمعات الغنية حل مثل هذه المشكلات .
    وقد حدث في عصر الخليف عمر بن عبد العزيز أن قضى على الفقر تماما حتى أنه لم يجد من يأخذ الزكاة .

    *******

    ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ .

    والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل
    والمؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم , فالمؤمن لا يروع الأمنين ولا يقتل ولا يزني ولا يأكل أموال الناس بالباطل .
    فعقيدة التوحيد تنبذ الفساد بكل صوره والإستغلال والغش والخيانة ,
    وقد رآينا ذلك واضحا في تلك السلسلة من أولها إلى أخرها,
    فالمعاملات في الإسلام مبنية على الأمانة والصدق والإخلاص وهي أهداف العقيدة الصحيحة .
    من حمل علينا السلاح فليس منا . ومن غشنا فليس منا
    الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 101
    خلاصة الدرجة: صحيح
    صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم


    والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة، ولاقتحام العقبة بصفة خاصة.

    وتواصوا بالمرحمة : تعني إشاعة الشعور بواجب التراحم في المجتمع ,

    وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)
    وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) التوبة

    وقال تعالى :
    مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) الفتح

    ****

    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى


    «« توقيع Saber Abbas »»

  5. #105
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 14 )
    سورة الشمس

    عقيدة التوحيد واضحة وضوح الشمس ليس بها غموض
    بل كل ما في الكون من دلائل التوحيد حتى نفسك التي بين جنبيك تدل على صانعها , وقد كانت كل رسالات الله تعالى تأتي لتؤكد هذه الحقيقة
    ( لا إله إلا الله )
    لا لعبادة الأصنام , لا لعبادة النجوم , لا لعبادة البقر , لا لعبادة النار ,
    لا لعبادة الأنبياء , لا لعبادة الأولياء , لا لعبادة الملوك .

    وقد ورد في سورة الشمس نموذج من رسل الله إلى البشر .
    نبي الله " صالح" عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .

    قال تعالى في سورة هود :

    وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ -61
    قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ -62
    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ -63
    وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ -64

    هكذا في وضوح , قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ
    ولكنهم ردوا بالشك في دعوة التوحيد التي هي الأوضح لدى كل عاقل ,
    فهذه الشمس من خلقها وخلق ضياءها , وهذا القمر من خلقه وجعله أداة للتوقيت عبر العصور المختلفة لم يتقدم أو يتأخر ,
    وهذا النهار المطل دائما نحو الشمس ينسلخ من الليل لينير بقدرة الله تعالى نصف الأرض , فإنك لو خرجت خارج طبقة النهر متجها إلى السماء , تشاهد عجبا , الشمس تضيء وحولها سماء مظلمة والنجوم تتلألأ في مساراتها .
    فالليل يغطي كل النجوم بما فيها شمسنا , فسبحان من أنار الأرض بالنهار .
    كل هذه الأيات لا تكفي للدلالة على الخالق الأعظم ؟ إذن فانظر إلى السماء وعظيم هذا البناء الكوني من يسيره ؟ ومن وضع له قوانين مروره , كل في فلك يسبحون .

    لم يكف هذا ؟؟ ننزل إلى الأرض ,

    وتدور الأرض حول محورها دون شعور منا بهذه الحركة الدقيقة
    الناعمة , فكيف للأرض وهي جماد أن تدور بانتظام عبر ملايين السنين, بهذه الدقة حيث ينشأ الليل والنهار
    وتدور في نفس الوقت في مدار حول الشمس وبنفس الدقة ,حيث تنشأ الفصول الأربعة
    ويختلف طول الليل والنهار مع هذا المدار
    أين المحرك لهذه الأرض ؟؟ ومن يديره ؟؟

    ونرى العجب على سطح الأرض

    أولا البحار
    وتشمل أكثر من سبعين في المائة من مساحة الأرض
    وبها قوانين وضعها الله تعالى حتي تصلح لجريان السفن عليها
    ثانيا مياه الأمطار
    وتكوين الأنهار وعلاقة كل من الشمس والبحار
    والسحاب في منظومة علمية دقيقة لإستمرار الحياة على الأرض
    حيث تتبخر المياه من البحار ومن سطح الأرض بفعل حرارة الشمس
    مكونة السحاب الذي سخره الله بحيث لا ينفلت من الأرض
    وينقى الماء ثم يعود مرة أخرى إلى ينابيع الأنهار
    وتجري الأنهار وتتحرك يشرب منها جميع المخلوقات
    فقد نقاها خالقها لكي تصلح للشرب والري
    ولأنها أي مياه الأنهارمتحركة فهي لا تعطب
    وتتجه دائما لتصب في البحار
    وللحفاظ على مياه البحار من العطب وضع الله فيها
    الأملاح التي لا تتبخر مع الماء الصاعد إلى السحاب
    سبحان الخالق العظيم

    كل هذه الآيات لم تكف ؟؟ إذن انظر في نفسك , من خلقك ومن كونك وأنت في بطن أمك وجعل لك السمع والبصر والفؤاد وأمدك بكل ما تحتاجه لتحيا,
    من الذي ركب فيك حرية الإختيار , وكان من الممكن أن يكون الإنسان ليس له خيار ويعيش كسائر المخلوقات . ولكن كرمه الله بنعمة العقل والإختيار, وأرسل له الرسل لتوضح له طريق الخير ليسلكه , وتبين طرق الشر ليبتعد عنها , وأن هناك حساب يوم القيامة , حيث النعيم الأبدي للمؤمنين ,
    والجحيم للكافرين .
    ومع كل هذا الوضوح يطلب الكافرون آية من نبي الله صالح , وقد أجابهم بما طلبوا , وخرجت ناقة من الصخر , معجزة من الله كما طلبوا .
    فهل أمنوا ؟ أن الذي لا يؤمن بكل دلائل القدرة الإلهية في الأنفس والأفاق , يصعب عليه الإيمان بعد ذلك , وهذا ما حدث لثمود,
    عقروا الناقة , فاستحقوا العذاب .

    ومع سورة الشمس نعيش هذه اللحظات

    وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا -1 وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا -2 وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا -3 وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا-4 وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا -5 وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا -6 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا -7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا -8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا -9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا -10 كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ -11 إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا -12 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا -13 فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا -14 وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا -15

    يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية، كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها. ومن شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق قيمة كبرى؛ وأن يوجه إليها القلوب تتملاها، وتتدبر ماذا لها من قيمة وماذا بها من دلالة، حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم.

    والشمس وضحاها " ضوئها
    والقمر إذا تلاها " تبعها طالعا عند غروبها
    والنهار إذا جلاها " بارتفاعه
    والليل إذا يغشاها " يغطيها بظلمته
    وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا , أي ومن خلقها ورفعها , وهو الله تعالى .
    والأرض وما طحاها " قال مجاهد : طحاها دحاها . قال العوفي عن ابن عباس " وما طحاها " أي خلق فيها , وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس طحاها قسمها .
    ونفس وما سواها " أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة
    فألهمها فجورها وتقواها " أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها أي بين لها وهداها إلى ما قدر لها
    قد أفلح من زكاها , أي : قد أفلح من زكى الله نفسه , فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي , وأصلحها بالصالحات من الأعمال .
    وقد خاب من دساها , أي : أثمها وأفجرها.

    ****
    وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا -7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا -8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا -9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا -10
    وهذه الآيات الأربع، بالإضافة إلى آية سورة البلد السابقة: وهديناه النجدين
    وآية سورة الإنسان: إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً
    تمثل قاعدة النظرية النفسية للإسلام.. وهي مرتبطة ومكملة للآيات التي تشير إلى ازدواج طبيعة الإنسان، كقوله تعالى في سورة " ص ":
    إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
    كما أنها مرتبطة ومكملة للآيات التي تقرر التبعة الفردية: كقوله تعالى في سورة المدثر: كل نفس بما كسبت رهينة

    والآيات التي تقرر أن الله يرتب تصرفه بالإنسان على واقع هذا الإنسان، كقوله تعالى في سورة الرعد: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

    ومن خلال هذه الآيات وأمثالها تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها..

    إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد، مزدوج الاتجاه ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه , مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال.
    فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء. وأن هذه القدرة كامنة في كيانه، يعبرعنها القرآن بالإلهام تارة: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها.. ويعبر عنها بالهداية تارة: فهديناه النجدين .
    فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد.. والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك. ولكنها لا تخلقها خلقاً. لأنها مخلوقة فطرة، وكائنة طبعاً، وكامنة إلهاماً.

    وهناك إلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان. هي التي تناط بها التبعة. فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، وتغليبه على استعداد الشر.. فقد أفلح. ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها..

    وهكذا ترتبط حقيقة النفس البشرية بحقائق هذا الوجود الكبيرة، ومشاهدة الثابتة، كما ترتبط بهذه وتلك سنة الله في أخذ المكذبين والطغاة، في حدود التقدير الحكيم الذي يجعل لكل شيء أجلاً، ولكل حادث موعداً، ولكل أمر غاية، ولكل قدر حكمة، وهو رب النفس والكون والقدر جميعاً.

    ****

    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

    «« توقيع Saber Abbas »»

  6. #106
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 15 )
    سورة الليل

    وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ .
    إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ .
    وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ .


    أن مبدأ التوحيد يتجلى في جميع سور القرآن العظيم
    وكنت لا أظن أن تأخذ هذه السلسلة العطرة كل هذا الوقت ولكني أتمنى الأن أن نعيش مع هذا الموضع أبدا , لأننا بذكر الله تعالى تطمئن قلوبنا ونتذكر بصفة دائمة المولى جل وعلا .
    ومع فعل الخيرات التي هي ثمرة عقيدة التوحيد نعيش هذه اللحظات

    *****

    وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ -1 وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ -2 وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ -3 إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ -4 فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ -5 وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ –6 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ -7 وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ -8 وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ -9 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ -10 وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ -11 إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ -12 وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ -13 فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ -14 لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى -15 ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ -16 وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى -17 ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ -18 وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ -19 إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ -20 وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ-21 .

    الليل والنهار ,من آيات الكونية التي تدل على قدرة الله تعالى .
    فهو وحده تبارك وتعالى المتحكم فيهما , قال تعالى:

    قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ -71 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ -72 وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ -73 .القصص

    وتدل هذه الآيات على وحدانية الله تعالى , حيث أن أمام هذا التحدي سقطت كل الألهة المزعومة ,
    والتحدي قائم إلى يوم القيامة . فلا يستطيع كائن من كان أن يمسك حركة الأرض عن دورانها حيث الليل والنهار ,

    ومن هذا المنبر نجدد التحدي إلى جميع المنكرين للذات العلية وإلى
    المشركين وإلى عبدة العباد, أن يثبتوا الليل أو النهار , وننتظر الرد .

    والليل مكمل للنهار , ولا يستقيم الوضع مع الليل منفردا ولا يستقيم الوضع مع النهار منفردا , ومن هنا نلاحظ ورود عنصرا البشرية الذكر والأنثى بعد ذكر الليل والنهار , وأن الذكر مكمل للأنثى , وكذلك الأنثى مكملة للذكر , وبهما تسير قافلة البشرية إلى منتهاها , ولا يصلح بأي حال من الأحوال أن تكون للبشرية ترتيبا أخر - من رهبنة أو مثلية العلاقة أو ما شابه ذلك – تستطيع أن تعبر به مسيرة الإنسانية نحو غايتها .

    إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا -35 الأحزاب

    ومع هذا التساوي في المقامات والتقرب إلى الله من كلا الجنسين وما أعد لهم , فإن سعيهم مختلف , فكل ميسر لما خلق له , فعلى الرجل أعباء وعلى المرأة أعباء مختلفة , وقد تكون متشابهة في بعض الجوانب ومختلفة في جوانب أخرى ولكنها مكملة بالضرورة ومهمة ولا يمكن الإستغناء عنها بحال من الأحوال .
    وكذلك في جميع المخلوقات من نبات أو حيوان أو حتى الطاقة فيلزمها الطاقة الموجبة والطاقة السالبة وإلا لتعطلت .
    وأن هذا التوازن العجيب بين الذكور والإناث ليدل على أن الأمر ليس صدفة كما يقرر الملاحدة ,
    فلا يبقى إلا أن هنالك مدبراً يخلق الذكر والأنثى لحكمة مرسومة وغاية معلومة. فلا مجال للمصادفة، ولا مكان للتلقائية في نظام هذا الوجود أصلاً.

    *****

    فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى.. فسنيسره لليسرى

    والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها. عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه ـ سبحانه ـ على نفسه بإرادته ومشيئته.
    والذي بدونه لا يكون شيء، ولا يقدر الإنسان على شيء.

    *****

    وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى.. فسنيسره للعسرى. وما يغني عنه ماله إذا تردى

    والذي يبخل بنفسه وماله، ويستغني عن ربه وهداه، ويكذب بدعوته ودينه.. يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد. ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء، فييسره للعسرى , فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به ، والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه.. - وما يغني عنه ماله إذا تردى -.. والتيسير للشر والمعصية من التيسير للعسرى ، وإن أفلح صاحبها في هذه الأرض ونجا.. وهل أعسر من جهنم ؟ وإنها لهي العسرى .

    ****

    إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى. فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى. وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى

    لقد كتب الله على نفسه ـ فضلاً منه بعباده ورحمة ـ أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم . وأن يبينه لهم كذلك بالرسل والرسلات والآيات، فلا تكون هناك حجة لأحد ، ولا يكون هناك ظلم لأحد .

    فعقيدة التوحيد توجب علينا أن يكون العمل خالصا لله , لا رياء ولا سمعة
    يجب أن تكون كل الأفعال والأقوال ابتغاء وجه ربنا الأعلى .

    ****


    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
    التعديل الأخير تم بواسطة Saber Abbas ; 17-02-2011 الساعة 10:17 PM

    «« توقيع Saber Abbas »»

  7. #107
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 16 )
    سورة الضحى

    الرسول صلى الله عليه وسلم ,
    ودلائل النبوة.
    والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم من المبادئ الأساسية لعقيدة التوحيد.
    قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ -28 سبأ
    وقال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا -64 فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا -65 النساء
    وجميع الرسل صلوات ربي وسلامه عليهم
    قاموا بتبليغ ما أمرهم الله به , لازيادة ونقص .

    ورد في روايات كثيرة أن الوحي فتر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبطأ عليه جبريل ـ عليه السلام ـ فقال المشركون: ودع محمداً ربه, فأنزل الله تعالى هذه السورة..
    وفي رواية لمسلم :
    أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال المشركون : قد ودع محمد . فأنزل الله عز وجل : والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى .
    الراوي: جندب بن عبدالله المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 1797
    خلاصة الدرجة: صحيح

    ولو فكر المشركون قليلا , لكان هذا الحدث من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم , لأنه لا يتكلم من عند نفسه فإذا نزل الوحي بلغ ما أنزل إليه , وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى .(النجم)
    ولكنه عناد البشر والحقد والحسد ,
    فنزلت هذه الآيات تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالروْح والرضى والأمل. وتسكب البرد والطمأنينة واليقين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه.



    وَالضُّحَى -1 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى -2 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى -3 وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى -4 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى -5 أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى -6 وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى -7 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى -8 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ -9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ -10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ -11
    *****
    أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى أي أظلم ، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة.


    وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى

    أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني (إبراهيم / الآية - 36 ) الآية وقال عيسى عليه السلام : إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( المائدة / الآية – 118)
    فرفع يديه وقال " اللهم , أمتي أمتي " وبكى ...
    فقال الله عز وجل : يا جبريل ! اذهب إلى محمد ، وربك أعلم ، فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله . فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال . وهو أعلم . فقال الله : يا جبريل ! اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك .
    الراوي: عبدالله بن عمرو بن العاص المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 202
    خلاصة الدرجة: صحيح

    هل أدركنا مقدار حب رسول الله لنا .
    إن دموع الحب والشوق لك ياحبيب الله , هي التي تعبر عن حبك لأمتك .

    أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى

    لقد ولدت يتيماً فآواك إليه، وعطف عليك القلوب حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك .

    وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

    ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها. ولكنك لم تكن تجد لك طريقاً واضحاً مطمئناً . لا فيما عند الجاهلية ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا وتاهوا .. ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به.

    وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى

    ولقد كنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك بكسبك ومال أهل بيتك (خديجة رضي الله عنها) عن أن تحس الفقر، أو تتطلع إلى ما حولك من ثراء .

    فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ . وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .

    وكما تبين لنا من عقيدة التوحيد أنها يقين في القلب ينعكس على سلوك المؤمن بالضرورة .
    فهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، وإلى إغناء السائل مع الرفق به واكرامه، كانت من أهم متطلبات الإسلام . حيث رفع الإسلام هذه البيئة بشريعة الله إلى الحق والعدل والوقوف عند حدود الله.
    وأما التحدث بنعمة الله ـ وبخاصة نعمة الهدى والإيمان ـ فهي صورة من صور الشكر للمنعم. يكملها البر بعباده، وهو المظهر العملي للشكر، والحديث الصامت النافع الكريم .

    *****

    وتعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
    لله سبحانه وتعالى

    الله
    هذا الاسم " الله " هو أكبر أسمائه تعالى وأجمعها,
    وقيل هو الاسم الأعظم الذي إذا دوعي به أجاب .. وإذا سئل به أعطى ,
    ولذلك لم يسم به غيره .. مصداقا لقوله تعالى : هل تعلم له سميا -65مريم
    فهو اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية , المنعوت بنعوت الربوبية
    المنفرد بالوجود الحقيقي , فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته
    وإنما يستمد وجوده من الله الخالق البارئ المصور
    " سبحان الله "

    ******
    الملك
    الملك هو الذي يستغني في ذاته , وصفاته , وأفعاله , عن كل موجود ..
    ويحتاج إليه كل مخلوق , ولا يستغني عنه في وجوده و بقائه , فوجود الخلائق منه وحده فهو الملك .
    فالله تبارك وتعالى هو الملك المطلق حيث يستغني عن كل شئ ,
    وملكه دائم لا يزول .
    وهو المالك للملك لأنه هو خالق للملك والملكوت
    فهو يملك الدنيا والأخرة .. ويوم تقوم الساعة تظهر هذه الحقيقة جلية
    حيث ينادي تبارك وتعالى : لمن الملك اليوم ..فلا يجيبه أحد..
    فيقول : لله الواحد القهار -16 غافر
    ****
    القدوس
    الاسم مشتق من " القدس" بمعنى الطهارة
    فهو سبحانه منزه عن كل وصف يدركه الحس , أو يتصوره الخيال, أو يسبق إليه وهم , أو يختلج به ضمير , أو يقضي به تفكير .
    وكل ما خطر ببالك فالله تعالى خلاف ذلك ,
    فهو سبحانه ليس كمثله شئ
    هو الله

    *****
    السلام
    السلام هو الذي تسلم ذاته عن العيب , وصفاته عن النقص ,وأفعله عن الشر .
    وكل مافي الوجود من سلامة فهي صادره منه ..
    فهو السلام الذي ينجي المؤمنين من العذاب .
    هو الله
    ****
    المؤمن
    المؤمن الذي أعطى الأمان للخلق , فالخلق معرضون لأسباب التلف والهلاك
    من خارجهم ومن داخلهم سواء بالأعداء أو بالداء .
    والله تعالى يرزقهم الأمن ويحميهم من كل سوء
    سبحانه هو المؤمن , أمن له الوجود .. وأمن به الوجود
    هو الله
    *****
    المهيمن
    المهيمن هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وحركاتهم وسكناتهم
    والهيمنة المطلقة على الكون له سبحانه .
    سبحانه هو الله
    ******
    العزيز
    العزيز المطلق الممتنع عن الإدراك سبحانه ليس كمثله شئ
    المرتفع عن أوصاف الممكنات
    المتفرد بالوجود المطلق بغير شبيه ولا مثيل
    فهو العزيز ...هو الله
    ****
    الجبار
    الذي تنفذ مشيئته على جميع المخلوقات , والكون جميعا يسير بإرادته
    والجبار الذي يجبر أحوال خلقه فيصلحها
    فالكل يذعن إليه والكل يخشع له
    سبحانه وتعالى هو الله
    ****
    المتكبر
    سبحان من لا عظمة ولا كبرياء إلا له
    فالكبرياء لله تعالى وحده وذلك لإستحقاقه نعوت الجلال وصفات الكمال
    سبحان المتكبر ذو الجلال والإكرام
    هو الله
    *******

    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

    «« توقيع Saber Abbas »»

  8. #108
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    آخر نشاط
    06-12-2017
    على الساعة
    10:23 AM
    المشاركات
    309

    افتراضي

    أخ الحبيب / صابر عباس

    هذا الموضوع لم أره إلا الآن

    فهل هذا نفس موضوع المعاملات أم يختلف عنه

    أسأل حتى أنل شرف نقل مواضيعك القيمة الى ما أستطيعه من المنتديات والمجموعات

    جعله الله فى ميزان حسناتك

    «« توقيع بن الإسلام »»

  9. #109
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الأخ الحبيب / إبن الإسلام - دمتم بكل خير

    موضوع التوحيد وأهميته في التربية يختلف عن موضوع المعاملات والأخلاق.
    ولكن كلا الموضوعين داخل عقيدة المؤمن لا ينفصلا , وذلك لشمول رسالة الإسلام التي إستوعبت كافة مجالات الحياة.

    فهذا القرآن العظيم كتاب رب العالمين
    كتاب أتى بعقيدة التوحيد واضحة جلية كما رأينا من خلال هذه السلسلة , ولم يوجد كتاب على ظهرالأرض مثل القرآن في بيان الحقيقة الإلهية .
    واشتماله على منهاج تطبيقي في المعاملات الإنسانية ,
    وبيان الفرائض والعبادات التي تقربنا الى الله تعالى .
    كتاب وضع مبادئ القيم الرفيعة والأخلاق العالية .
    كتاب أتى بشريعة صالحة لكل زمان ومكان .
    كتاب أتى بأخبار الرسل السابقين والأمم السابقة .
    كتاب بين بداية خلق الإنسان ونشأة الكون .
    كتاب به أخبار الدار الأخرة بالتفاصيل
    كتاب به معجزات علمية تم اكتشافها حديثا وسوف تستمر إلى يوم القيامة .


    فعلى المؤمنين التمسك بكتاب ربهم.

    جاء في الحديث: عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ستكون فتنة . قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, و خبر ما بعدكم, و حكم ما بينكم,
    هو بالفصل ليس بالهزل,
    من تركه من جبار قصمه الله, و من ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم,
    وهو الصراط المستقيم,
    وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, و لا تلتبس به الألسن, و لا يخلق على كثرة الرد, و لا تنقضي عجائبه,
    من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم

    الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: ابن تيمية - المصدر: حقوق آل البيت - الصفحة أو الرقم: 22
    خلاصة الدرجة: مشهور


    وفقكم الله وسدد خطاكم ..

    «« توقيع Saber Abbas »»

  10. #110
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    آخر نشاط
    01-03-2014
    على الساعة
    08:31 PM
    المشاركات
    187

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الثلاثون من القرآن العظيم ومبدأ التوحيد
    ( 17 )
    سورة الشرح


    مازلنا مع الرسول صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم ,
    ودلائل النبوة.
    فالإيمان بالنبي صلى الله عليه واله وسلم من المبادئ الأساسية لعقيدة التوحيد.
    قال تعالى : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ -21الحديد


    وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا - 150 أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا – 151 وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا – 152 سورة النساء



    ****


    ومع سورة الشرح نعيش تلك الأنوار


    أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ -1 وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ -2 الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ -3 وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ -4 فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا -5 إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا -6 فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ -7 وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ-8


    *****
    نزلت هذه السورة بعد سورة الضحى. وكأنها تكملة لها. فيها استحضار مظاهر العناية. وفيها البشرى باليسر والفرج. وفيها التوجيه إلى سر اليسر وحبل الاتصال الوثيق..


    ألم نشرح لك صدرك؟ ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك؟ ورفعنا لك ذكرك؟


    ألم نشرح صدرك لهذه الدعوة ؟ ونيسر لك أمرها ؟. ونجعلها حبيبة لقلبك، ونشرع لك طريقها ؟ وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة.
    إن إنشراح الصدر للحق علامة ونور يدلك على أنك على الطريق المستقيم .
    ولذلك شرح الله تعالى قلوب أحبابه للإسلام .
    قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
    فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) الزمر


    أفيستوي من شرح اللّه صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام اللّه والعمل بها، منشرحا قرير العين، على بصيرة من أمره، وهو المراد بقوله: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ , كمن ليس كذلك، بدليل قوله: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ , أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير.
    أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ , وأي ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن ربه ؟


    ****


    ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك.. ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك من ثقله.. وضعناه عنك بشرح صدرك له فخف وهان. وبتوفيقك وتيسيرك للدعوة ومداخل القلوب.. وبالوحي الذي يكشف لك عن الحقيقة.


    ألا تجد ذلك العبء الذي أنقض ظهرك ؟ ألا تجد عبئك خفيفاً بعد أن شرحنا لك صدرك ؟


    ورفعنا لك ذكرك.. رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود جميعاً.. رفعناه فجعلنا اسمك مقروناً باسم الله كلما تحركت به الشفاه : " لا إله إلا الله. محمد رسول الله "..


    وليس بعد هذا رفع، وليس وراء هذا منزلة. وهو المقام الذي تفرد به ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون سائر العالمين..
    وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًا عن أمته.
    *****
    حتى البشر المحايد حين ينظر إلى سائر الخلق من أول الخليقة إلى اليوم , لا يجد إلا رسول الله - ( صلى الله عليه واله وسلم) – أول البشر أجمعين في الرفعة والمكانة والتأثير .


    وفي كتاب العظماء مائة أعظمهم محمد
    يقول الكاتب :
    لقد اخترت محمداً (صلى الله عليه وسلم ) في أول هذه القائمة ،ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، ولكن محمداً عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي ،وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات ،وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً، وبعد ثلاثة عشر قرناً من وفاته فإن أثر محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يزال قوياً متجدداً
    هذا ما يؤكده الكاتب الأمريكي مايكل هارت
    مؤلف كتاب
    الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله



    *****


    ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ، حين قدر الله أن تمر القرون، وتكر الأجيال، وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الاسم الكريم، مع الصلاة والتسليم، والحب العميق العظيم.


    فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء؟


    ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار، ويسري عنه، ويؤنسه، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه:


    فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا..


    إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه. وقد لازمه معك فعلاً. فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك، فخف حملك، الذي أنقض ظهرك. وكان اليسر مصاحباً للعسر، يرفع إصره، ويضع ثقله.


    وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا " .
    وتعريف " العسر " في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير " اليسر " يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين.


    ****


    ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل .
    حيث أمر الله رسوله أصلا، والمؤمنين تبعًا، بشكره والقيام بواجب نعمه، فقال تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ أي : إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء.
    ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ وحده ﴿فَارْغَبْ﴾ أي: إلى ربك وحده خالياً من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم.. إنه لا بد من الزاد للطريق. وهنا الزاد لطريق الدعوة إلى الله تعالى .


    فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ -7 وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ -8


    ******


    وقبل أن نختم تعالوا نتعرض لأنوار الصفات والأسماء الحسنى
    لله سبحانه وتعالى


    الخالق البارئ المصور



    هذه صفات أفعال تبدأ بالتقدير ثم الإخراج من العدم ثم التصوير.
    فكل العوالم مفتقر لذلك


    قال تعالى في سورة الأعراف :


    وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ -11


    فالمشاهد لبديع الأجرام السماوية , والمخلوقات على الأرض,
    من إنسان و حيوان ونبات يرى عظيم قدرة الخالق
    يرى عظيم قدرة البارئ المبدع
    يرى عظيم قدرة المصور لكل هذه المخلوقات


    *****
    الغفار


    أصل " الغفر " الستر والتغطية , والمغفرة ستر الذنوب والعفو عنها
    والغفار هو الذي أظهر الجميل وستر القبيح
    والغافر يغفر الذنب ..." والغفور " يغفر الذنوب المتعددة
    " والغفار " غفران الذنوب للذنب المتكرر
    أما ستر الذنوب في الأخرة فلا يطلع عليها أحد ويبدل سيئات التائب إلى حسنات ...فسبحان الغفار
    ******
    القهار


    القهار هو الذي له الغلبة التامة على كل شئ
    قال تعالى : وهو القاهر فوق عباده -18 الأنعام
    فما من موجود إلا تحت قهره .
    وجميع الموجودات مسخرة تحت قهره وقدرته
    والكون جميعه في قبضته يوم القيامة فينادي سبحانه وتعالى :
    لمن الملك اليوم لله الواحد القهار -16 غافر
    سبحانه هو الله
    ******
    الوهاب
    والهبة هي العطاء من غير مقابل
    فسبحان الوهاب الدائم العطاء والجود والهبة وسد كافة الحاجات
    قال تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها -18 النحل
    فهو الوهاب سبحانه .
    ******
    الرزاق
    الرزاق هو خالق الأرزاق وأسبابها , فهو الذي يمد الموجودات بكل ما يحفظ مادتها وصورتها , فهو الذي أمد العقول بالعلوم , وأمد القلوب بالفهم
    وهو الذي أمد أجسام الكائنات على الأرض بالغذاء المناسب لكل منها, من طعام وشراب وهواء وكساء
    قال تعالى : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين – 58الذاريات
    ******
    الفتاح
    الفتاح الذي بعنايته يفتح كل مغلق , يفتح على العلماء بالعلوم ويرزقهم فهمها ,...ويفتح الممالك لمن يشاء من عباده
    قال تعالى : إنا فتحتنا لك فتحا مبينا – 1 الفتح
    وبيده مفاتح الغيب
    وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ -59 الأنعام
    *****
    العليم
    العليم هو المحيط علما بكل شئ ..ظاهره وباطنه أوله وأخره
    ولايمكن تصور مدى هذا العلم , فهو سبحانه العليم
    المتفرد بالعلم المطلق أزلا وأبدا
    وفي الحديث الطويل
    وقع عصفور على حرف السفينة ، فغمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله ، إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره ،- رواه البخاري
    1 - فالعلم عند الله لا حد له
    2 - مطابقة العلم للمعلوم مطابقة كاملة
    3 - علمه غير مستفاد من الأشياء بل الأشياء مستفادة من علمه
    4 - علمه كامل لايزيد بإضافة ولا ينقص بنسيان
    والعلم صفة قديمة قائمة بالذات العلية
    سبحانه وتعالى هو الله

    *******


    وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

    «« توقيع Saber Abbas »»

صفحة 11 من 13 الأولىالأولى ... 910111213 الأخيرةالأخيرة

عقيدة التوحيد في بناء الإنسان

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. فقه بناء الكعبة
    بواسطة زهدي جمال الدين في المنتدى قسم علوم القرآن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-11-2011, 05:43 AM
  2. عقيدة التوحيد في بناء الإنسان
    بواسطة Saber Abbas في المنتدى قسم المواضيع العامة والأخبار المتنوعة
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 29-08-2010, 05:54 PM
  3. لغز بناء الاهرامات ..
    بواسطة شقاوه في المنتدى قسم الرد علي الشُبهات والأسئلة حول الإسلام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 18-08-2009, 10:47 AM
  4. ما لا يصح التوحيد إلا به (شروط صحة التوحيد) مهم جدا
    بواسطة احمد اسماعيل في المنتدى مكتبة الفرقان للكتب والابحاث
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-04-2009, 03:41 PM
  5. التوحيد عقيدة المصريين عبر الأجيالالتوحيد عقيدة المصريين عبر الأجيال
    بواسطة أبو نور في المنتدى قسم النصرانيات العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 09-05-2008, 04:15 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

عقيدة التوحيد في بناء الإنسان

عقيدة التوحيد في بناء الإنسان