قصص الانبياء


آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

قصص الانبياء

صفحة 7 من 10 الأولىالأولى ... 56789 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 70 من 97

الموضوع: قصص الانبياء

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    وقال تعالى في سورة الشعراء : " وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون * قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون * فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل * قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين "

    تقدير الكلام : فأتياه فقالا له ذلك ، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته ، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه

    فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغي ، ونظر إلى موسى بعين الإزدراء والتنقص قائلاً له : " ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين " أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا ؟ وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر ؟

    وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه ، خلافاً لما عند أهل الكتاب : من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين ، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر

    وقوله : " وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " أي وقتلت الرجل القبطي ، وفررت منا وجحدت نعمتنا

    " قال فعلتها إذا وأنا من الضالين " أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي ، " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين "

    ثم قال مجيباً لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه : " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " أي وهذه النعمة التي ذكرت ، من أنك أحسنت إلى وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله ، واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك وأشغالك

    " قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون "

    يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة ، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم ، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية

    وذلك أن فرعون - قبحه الله - أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى وزعم أنه الإله : " فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى " " وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري "

    وهو في هذه المقالة معاند ، يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور ، الإله الحق كما قال تعالى : " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين "

    ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته ، والإظهار أنه ما نم رب أرسله : " وما رب العالمين " لأنهما قالا له : " إنا رسول رب العالمين " فكأنه يقول لهما : ومن رب العالمين ؟ الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما ؟

    فأجابه موسى قائلاً : " رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " يعني رب العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة ، وما بينهما من المخلوقات المتعددة ، من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ، ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين

    " قال " أي فرعون " لمن حوله " من أمرائه ومرازبته ووزرائه ، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام : " ألا تستمعون " يعنى كلامه هذا

    " قال " موسى مخاطباً له ولهم : " ربكم ورب آبائكم الأولين " أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم ، من الآباء والأجداد ، والقرون السالفة في الآباد ، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ، ولا أبوه ولا أمه ، ولا يحدث من غير محدث ، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق "

    ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ، ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه : " قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة المسيرة للأفلاك الدائرة خالق الظلام والضياء ، ورب الأرض والسماء ، رب الأولين والآخرين ، خالق الشمس والقمر ، والكواكب السائرة ، والثوابت الحائرة ، خالق الليل بظلامه ، والنهار بضيائه ، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون ، وفي فلك يسبحون ، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء

    فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ، ولم يبق له قول سوى العناد ، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته " قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أو لو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين "

    وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما ، وهما العصا واليد ، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم ، الذي بهر به العقول والأبصار ، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين أي عظيم

    الشكل ، بديع في الضخامة والهول ، والمنظر العظيم الفظيع الباهر ، حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه ، أخذه رهب شديد وخوف عظيم ، بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم ، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة ، فانعكس عليه الحال

    وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها ، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نوراً يبهر الأبصار ، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صفتها الأولى

    ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك ، بل استمر على ما هو عليه ، وأظهر أن هذا كله سحر ، وأراد معارضته بالسحرة ، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته ، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه ، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه ، وأهل دولته وملته ولله الحمد والمنة

    * * *

    وقال تعالى في سورة طه : " فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى * واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري * اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى * قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى "

    يقول تعالى مخاطباً لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه ، وأنعم بالنبوة عليه ، وكلمه منه إليه : قد كنت مشاهداً لك وأنت في دار فرعون ، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري ، فلبثت فيها سنين " ثم جئت على قدر " أي منى لذلك ، فوافق ذلك تقديري وتسييري " واصطنعتك لنفسي " أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي

    " اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري " يعني ولا تفترا في ذكري إذا قدمتما عليه ووفدتما إليه ، فإنه ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته ، وأداء النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه

    وقد جاء في بعض الأحاديث : يقول الله تعالى : إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه وقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون "

    ثم قال تعالى : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه ، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره ، وهو إذ ذاك أردى خلقه ، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعوا إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ، ويعاملاه بألطف معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى

    كما قال لرسوله : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " وقال تعالى : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم " قال الحسن البصري : " فقولا له قولا لينا " أعذرا إليه ، قولا له : إن لك رباً ولنا معاداً ، وإنما بين يديك جنة وناراً

    وقال وهب بن منبه : قولا له : إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية : يا من يتحبب إلى من يعاديه ، فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟ !

    " قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى " وذلك أن فرعون كان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً ، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض ، وجاه وجنود ، وعساكر وسطوة ، فهاناه من حيث البشرية ، وخافا أنا يسطو عليهما في بادئ الأمر ، فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال : " لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى " كما قال في الآية الأخرى : " إنا معكم مستمعون "

    " فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى " يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى ، أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهما بني إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم " قد جئناك بآية من ربك " وهو البرهان العظيم في العصي واليد ، " والسلام على من اتبع الهدى " تقييد مفيد بليغ عظيم ، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا : " إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى " أي كذب بالحق بقلبه وتولى عن العمل بقالبه

    وقد ذكر السدي وغيره : أنه لما قدم من بلاد مدين ، دخل علي أمه وأخيه هارون ، وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل وهو اللفت ، فآكل معهما ، ثم قال : يا هارون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي ، فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق فقال موسى للبوابين والحجبة ، أعلموه أن رسول الله بالباب فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به

    وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل ، قال محمد بن إسحاق : أذن لهما بعد سنتين ، لأنه لم يك أحد يتجاسر على الإستئذان لهما فالله أعلم ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه ، فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما ، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما

    وعند أهل الكتاب : أن الله قال لموسى عليه السلام : إن هارون اللاوي - يعنى الذي من نسل لاوي بن يعقوب - سيخرج ويتلقاك ، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى فرعون ، وأمره أن يظهر ما آتاه من الآيات وقال له : إني سأقسى قلبه فلا يرسل الشعب ، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر وأوحي الله إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب ، فلما تلقاه أخبره موسى أمره به ربه فلما دخلا مصر جميعاً شيوخ بني إسرائيل وذهبا إلى فرعون ، فلما بلغاه رسالة الله قال : من هو الله ؟ لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل

    * * *

    وقال الله مخبراً عن فرعون : " قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى * الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى "

    يقول تعالى مخبراً عن فرعون : إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلاً : " فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " أي هو الذي خلق الخلق وقدر لهم أعمالاً وأرزاقاً وآجالاً ، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له ، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه ، وقدرته وقدره لكمال علمه ، وهذه الآية كقوله تعالى : " سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى " أي قدر قدراً وهدى الخلائق إليه

    " قال فما بال القرون الأولى " يقول فرعون لموسى : فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره ، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه ، فلم عبد الأولون غيره ؟ وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت ؟ فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى ؟ " قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " أي هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك ، ولا يدل على خلاف ما أقول لأنهم جهلة مثلك ، وكل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر ، من صغير وكبير ، وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل ، ولا يظلم أحداً مثقال ذرة ، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شيء ولا ينسى ربي شيئاً

    ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء ، وجعله الأرض مهاداً والسماء سقفاً محفوظاً ، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابهم وأنعامهم ، كما قال : " كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى " أي لذي العقول الصحيحة المستقيمة والفطر القويمة غير المستقيمة ، فهو تعالى الخالق الرازق ، كما قال تعالى : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون "

    ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر ، واهتزازها بإخراج نباتها فيه نبه به على المعاذ فقال : " منها " أي من الأرض " خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " كما قال تعالى : " كما بدأكم تعودون " وقال تعالى : " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم "

    «« توقيع عبداللطيف »»

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب * يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "

    وهذا الرجل هو ابن عم فرعون ، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيلياً ، وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى والله أعلم

    قال ابن جريج قال ابن عباس : لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا ، والذي جاء من أقصا المدينة وامرأة فرعون رواه ابن أبي حاتم

    وقال الدارقطني لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون حكاه السهيلي

    وفي تاريخ الطبراني : أن اسمه خير فالله أعلم

    والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه ، فلما هم فرعون - لعنه الله - بقتل موسى عليه السلام ، وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه خاف هذا المؤمن على موسى ، فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب ، فقال على وجه المشورة والرأي

    وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " وهذا من أعلى مراتب هذا المقام ، فإن فرعون لا أشد جوراً منه ، وهذا الكلام لا أعدل منه ! لأنه فيه عصمة نبي ويحتمل أنه كاشفهم بإظهار إيمانه ، وصرح لهم بما كان يكتمه والأول أطهر والله أعلم

    قال : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " أي من أجل أنه قال ربي الله فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام والإحترام أو الموادعة وترك الإنتقام

    يعني لأنه : " قد جاءكم بالبينات من ربكم " أي بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله ، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة ، لأنه : " إن يك كاذبا فعليه كذبه "

    ولا يضركم ذلك " وإن يك صادقا " وقد تعرضتم له " يصبكم بعض الذي يعدكم " أي وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به ، فكيف بكم إن حل جميعه عليكم ؟ وهذا الكلام في هذا المقام ، من أعلى مقامات التلطف والإحتراز والعقل التام

    وقوله : " يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض " يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز ، فإنه ما تعرضت الدول للدين إلا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم !

    وكذا وقع لآل فرعون ، ما زالوا في شك وريب ، ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور ، والنعمة والحبور ، ثم حولوا إلى البحر مهانين ، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السافلين

    ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق ، البار الراشد ، التابع للحق ، الناصح لقومه ، الكامل العقل : " يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض " أي عالين على الناس حاكمين عليهم ، " فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا " ؟ أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة ، والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ، ولا رد عنا بأس مالك الممالك

    " قال فرعون " أي في جوابه هذا كله : " ما أريكم إلا ما أرى " أي ما أقول لكم إلا ما عندي " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "

    وكذب في كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين ، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة ، وإنما كان يظهر خلافه بغياً وعدواناً ، وعتواً وكفراناً

    قال الله تعالى إخباراً عن موسى : " قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا * فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا * وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا "

    وقال تعالى : " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين "

    وأما قوله : " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " ، فقد كذب أيضاً ، فإنه لم يكن على رشاد من الأمر ، بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال ، فكان أولاً ممن يعبد الأصنام والأمثال ، ثم دعا قومه الجهلة الضلال إلى أن اتبعوه وطاوعوه وصدقوه فيما زعم من الكفر والمحال ، في دعواه أنه رب ، تعالى الله ذو الجلال !

    قال الله تعالى : " ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين * فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين "

    وقال تعالى : " فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الآخرة والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى "

    وقال تعالى : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود "

    والمقصود بيان كذبه في قوله : " ما أريكم إلا ما أرى " وفي قوله : " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "

    * * *

    " وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد * ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب * الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار "

    يحذرهم ولي الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم ، من النقمات والمثلات ، مما تواتر عندهم وعند غيرهم ، مما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى زمانهم ذلك ، مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة ، في صدق ما جاءت به الأنباء ، لما أنزل من النقمة بمكذبيهم من الأعداء ، وما أنجى الله من اتبعهم من الأولياء وخوفهم يوم القيامة ، وهو يوم التناد ، أي حين ينادى الناس بعضهم بعضاً ، حين يولون إن قدروا على ذلك ، ولا إلى ذلك سبيلاً : " يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر " وقال تعالى : " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان "

    وقرأ بعضهم : " يوم التناد " بتشديد الدال ، أي يوم الفرار ويحتمل أن يكون يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون يوم يحل الله بهم البأس ، فيودون الفرار ولات حين مناص " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون "

    ثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر ، وما كان منه من الإحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم وهذا من سلالته وذريته ، ويدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته ، وألا يشركوا به أحداً من بريته ، وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان ، وأن من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل ولهذا قال : " فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا " أي وكذبتم في هذا ولهذا قال : " كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب * الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم " أي يردون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده ، بلا حجة ولا دليل عندهم من الله ، فإن هذا أمر يمقته الله غاية المقت ، أي يبغض من تلبس به من الناس ، ومن اتصف به من الخلق ، " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " قرئ بالإضافة وبالنعت ، وكلاهما متلازم : أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق - ولا تخالفه إلا بلا برهان - فإن الله يطبع عليها ، أي اختمر عليها بما فيها

    * * *

    " وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب "

    كذب فرعون موسى عليه السلام في دعواه أن الله أرسله ، وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم : " ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين " وقال هاهنا : " لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات " أي طرقها ومسالكها " فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا " ويحتمل هذا معنيين : أحدها وإني لأظنه كاذباً في قوله أن للعالم رباً غيري ، والثاني في دعواه أن الله أرسله والأول أشبه بظاهر حال فرعون ، فإنه كان ينكر ظاهراً إثبات الصانع والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال : " فأطلع إلى إله موسى " أي فأسأله هل أرسله أم لا ؟ " وإني لأظنه كاذبا " أي في دعواه ذلك وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام ، وأن يحثهم على تكذيبه

    قال الله تعالى : " وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل " وقرئ : " وصد عن السبيل " " وما كيد فرعون إلا في تباب "

    قال ابن عباس ومجاهد : يقول : إلا في خسار ، أي باطل ، لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه ، فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبداً - أعني السماء الدنيا - فكيف بما بعدها من السموات العلى ؟ وما فوق ذلك من الإرتفاع الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل ؟ وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح ، وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه ، وأنه كان مبنياً من الآجر المشوي بالنار ولهذا قال : " فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا "

    وعند أهل الكتاب : أن بني إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن ، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه ، بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه ، ويطلب منهم كل يوم قسط معين ، إن لم يفعلوه ضربوا وأهينوا غاية الإهانة وأوذوا غاية الأذية ، ولهذا قالوا لموسى : " أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط ، وكذلك وقع ، وهذا من دلائل النبوة

    * * *

    ولنرجع إلى نصيحة المؤمن وموعظته واحتجاجه

    قال الله تعالى : " وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار * من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب "

    يدعوهم رضي الله عنه إلى طريق الرشاد الحق ، وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من عند ربه ثم زهدهم في الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة ، ورغبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه ، القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه الذي يعطي على القليل كثيراً ، ومن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها ، وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار ، التي من وافاها - مؤمناً قد عل الصالحات - فله الدرجات العاليات ، والغرف الآمنات ، والخيرات الكثيرة الفائقات ، والأرزاق الدائمة التي لا تبيد ، والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد

    ثم شرع في إبطال ما هم عليه ، وتخويفهم مما يصيرون إليه ، فقال : " ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار * فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب "

    كان يدعوهم إلى عبادة رب السموات والأرض ، الذي يقول للشيء كن فيكون ، وهم يدعونه إلا عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون

    ولهذا قال لهم على سبيل الإنكار : " ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار "

    ثم بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان ، وأنها لا تملك من نفع ولا إضرار فقال : " لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار " أي لا تملك تصرفاً ولا حكماً في هذه الدار ، فكيف تملكه يوم القرار ؟ وأما الله عز وجل فإنه الخالق الرازق للأبرار والفجار ، وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم ، فيدخل طائعهم الجنة ، وعاصيهم إلى النار

    ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله : " فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد "

    قال الله : " فوقاه الله سيئات ما مكروا " أي بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ، ومكرهم في صدهم على سبيل الله ، مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات ، التي ألبسوا بها على عوامهم وطعامهم ، ولهذا قال : " وحاق " أي أحاط " بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " أي تعرض أرواحهم في برزخهم صباحاً ومساء على النار " ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " وقد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في التفسير ، ولله الحمد

    والمقصود أن الله تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم ، وإرساله الرسول إليهم ، وإزاحة الشبه عنهم ، وأخذ الحجة عليهم منهم ، بالترهيب تارة والترغيب أخرى ، كما قال تعالى : " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين "

    يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومه من القبط بالسنين وهي أعوام الجدب التي لا يستغل فيها زرع ولا ينتفع بضرع وقوله : " ونقص من الثمرات " وهي قلة الثمار من الأشجار " لعلهم يذكرون " أي فلم ينتفعوا ولم يرتدعوا ، بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم " فإذا جاءتهم الحسنة " والخصب ونحوه " قالوا لنا هذه " أي هذا الذي نستحقه ، وهذا الذي يليق بنا " وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " أي يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا ، ولا يقولون في الأول إنه ببركتهم وحسن مجاورتهم لهم ، ولكن قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن الحق ، إذا جاء الشر أسندوه إليه ، وإن رأوا خيراً ادعوه لأنفسهم قال الله تعالى : " ألا إنما طائرهم عند الله " أي الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء " ولكن أكثرهم لا يعلمون

    " وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين " أي مهما جئتنا به من الآيات - وهي الخوارق للعادات - فلسنا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نطيعك ، ولو جئتنا بكل آية ، وهكذا أخبر الله عنهم في قوله : " إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم "

    قال الله تعالى : " فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " أما الطوفان فعن ابن عباس : هو كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار ، وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ، وعن ابن عباس وعطاء هو كثرة الموت ، وقال مجاهد : الطوفان الماء والطاعون على كل حال ، وعن ابن عباس : أمر طاف بهم

    وقد روى ابن جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان ، عن المنهال بن خليفة ، عن الحجاج ، عن الحكم بن ميناء ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

    «« توقيع عبداللطيف »»

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    الطوفان الموت " وهو غريب

    وأما الجراد فمعروف ، وقد روى أبو داود عن أبي عثمان ، عن سلمان الفارسي ، قال : سئل رسول الله عن الجراد فقال : " أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه " وترك النبي صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذر له ، كما ترك أكل الضب ، وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث ، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفي قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآثار في التفسير

    والمقصود أنه استاق خضراءها فلم يترك لهم زراعاً ولا ثماراً ولا سبداً ولا لبداً وأما القمل فعن ابن عباس : هو السوس الذي يخرج من الحنطة وعنه أنه الجراد الصغار الذي لا أجنحة له ، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة ، وقال سعيد بن جبير والحسن : هو دواب سود صغار وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : القمل هي البراغيث وحكى ابن جرير عن أهل العربية : أنها الحمنان ، وهو صغار القردان فوق القمامة ، فدخل معهم البيوت والفرش ، فلم يقر لهم قرار ، ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف

    وأما الضفادع فمعروفة ، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعمتهم وأوانيهم ، حتى إن أحدهم إذا فتح فاه لطعام أو شراب سقطت فيه ضفدعة من تلك الضفادع

    وأما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئاً إلا وجدوه دماً عبيطاً ولا من نهر ولا بئر ولا شيء إلا كان دماً في الساعة الراهنة

    هذا كله ولم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلية وهذا من تمام المعجزة الباهرة ، والحجة القاطعة ، أن هذا كله يحصل لهم عن فعل موسى عليه السلام ، فينالهم عن آخرهم ، ولا يحصل هذا لأحد من بني إسرائيل ، وفي هذا أدل دليل

    * * *

    قال محمد بن إسحاق : فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولاً ، ثم أبي إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر ، فتابع الله عليه بالآيات ، فأخذه بالسنين : فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع ، ثم الدم ، آيات مفصلات ، فأرسل الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد ، لا يقدرون علي أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئاً ، حتى جهدوا جوعاً

    فلما بلغهم ذلك : " قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل "

    فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلما لم يفوا له بشيء مما قالوا أرسل الله عليهم الجراد ، فأكل الشجر فيما بلغني ، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم ، فقالوا مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم القمل ، فذكر لي أن موسى عليه السلام ، أمر أن يمشى إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمضى إلى كثيب أهيل عظيم ، فضربه بها ، فانثال عليهم قملاً ، حتى غلب على البيوت والأطعمة ، ومنعهم النوم والقرار

    فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له ، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع ، فملأت البيوت والأطعمة والآنية ، فلم يكشف أحد ثوباً ولا طعاماً ، إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه

    فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الدم ، فصارت مياه آل فرعون دماً ، لا يستقون من بئر ولا نهر ، ولا يغترفون من إناء ، إلا عاد دماً عبيطاً وقال زيد بن أسلم : المراد بالدم الرعاف رواه ابن أبي حاتم

    قال الله تعالى : " ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون * فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين "

    يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل ، والإستكبار عن اتباع آيات الله وتصديق رسوله ، مع ما أيده به من الآيات العظيمة الباهرة ، والحجج البليغة القاهرة ، التي أراهم الله إياها عياناً ، وجعلنا عليهم دليلاً وبرهاناً

    وكلما شاهدوا آية وعاينوها ، وجهدهم وأضنكهم ، حلفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به ، وليرسلن معه من هو من حزبه ، فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شر مما كانوا عليه ، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه ، فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى ، فيقولون ويكذبون ، ويعدون ولا يفون : " لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل " فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل ، ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل

    هذا ، والعظيم الحليم القدير ، ينظرهم ولا يعجل عليهم ، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم ، ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم ، والإعذار إليهم ، أخذ عزيز مقتدر ، فجعلهم عبرة ونكالاً وسلفاً لمن أشبههم من الكافرين ، ومثلاً لمن اتعظ من عباده المؤمنين

    كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين ، في سورة حم والكتاب المبين : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين * فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون * وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون * وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون * فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون * ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين * فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين "

    يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم ، وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات ، تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق ، وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم ، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزئون ، وعن سبيل الله يصدون ، وعن الحق ينصرفون ، فأرسل الله عليهم الآيات تترى يتبع بعضها بعضاً ، وكل آية أكبر من التي تتلوها ، لأن التوكيد أبلغ مما قبله

    " وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون * وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون " لم يكن لفظ الساحر في زمنهم نقصاً ولا عيباً ، لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السحرة ، ولهذا خاطبوه به في حان احتياجهم إليه ، وضراعتهم لديه قال الله تعالى " فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون "

    ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه ، وعظمة بلده وحسنها ، وتخرق الأنهار فيها ، وهي الخلجانات التي يكسرونها أيام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحليته ، وأخذ يتنقص رسول الله موسى عليه السلام ، ويزدريه بكونه " لا يكاد يبين " يعني كلامه بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة ، التي هي شرف له وكمال وجمال ، ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه ، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه

    وتنقصه فرعون - لعنه الله - بكونه لا أساور في يديه ، ولا زينة عليه ! وإنما ذلك من حلية النساء ، لا يليق بشهامة الرجال ، فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلاً ، وأتم معرفة ، وأعلى همة وأزهد في الدنيا ، وأعلم بما أعد الله لأوليائه في الأخرى ؟

    وقوله : " أو جاء معه الملائكة مقترنين " لا يحتاج الأمر إلى ذلك ، فإن كان المراد أن تعظمه الملائكة ، فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير ، كما جاء في الحديث : " إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع " فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والتسليم والتكريم ! ؟

    وإن كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعاً لذوي الألباب ، ولمن قصد إلى الحق والصواب ، ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور ، وترك لب اللباب ، وطبع على قلبه رب الأرباب ، وختم عليه بما فيه من الشك والإرتياب ، كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذاب

    * * *

    قال الله تعالى : " فاستخف قومه فأطاعوه " أي استخف عقولهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدقوه في دعواه الربوبية لعنه الله وقبحهم " إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما آسفونا " أي أغضبونا " انتقمنا منهم " أي بالغرق والإهانة وسلب العز ، والتبدل بالذل وبالعذاب بعد النعمة ، والهوان بعد الرفاهية ، والنار بعد طيب العيش ، عياذاً بالله وسلطانه القديم من ذلك

    " فجعلناهم سلفا " أي لمن اتبعهم في الصفات " ومثلا " أي لمن اتعض بهم : خاف من وبيل مصرعم ، ممن بلغه جلية خبرهم وما كان من أمرهم كما قال الله تعالى : " فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون * وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين "

    يخبر تعالى أنه لما استكبروا عن اتباع الحق ، وادعى ملكهم الباطل ، ووافقوه عليه وأطاعوه فيه ، اشتد غضب الرب القدير العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع عليهم ، فانتقم منهم أشد الإنتقام ، وأغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة فلم يفلت منهم أحد ، ولم يبق منهم ديار ، بل كل قد غرق فدخل النار ، وأتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين ، ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ، و يوم القيامة هم من المقبوحين

    «« توقيع عبداللطيف »»

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    ذكر هلاك فرعون وجنوده

    لما تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم ، متابعة لملكهم فرعون ، ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام ، أقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة ، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول ، وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون ، ولا ينزعون ولا يرجعون

    ولم يؤمن منهم إلا القليل قيل ثلاثة : وهم إمرأة فرعون - ولا علم لأهل الكتاب بخبرها - ومؤمن آل فرعون الذي تقدمت حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم ، والرجل الناصح الذي جاء يسعى من أقصا المدينة ، فقال : " يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين "

    قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه ومراده غير السحرة ، فإنهم كانوا من القبط

    وقيل بل آمن به طائفة من القبط من قوم فرعون ، والسحرة كلهم وجميع شعب بني إسرائيل ويدل على هذا قوله تعالى : " فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين "

    فالضمير في قوله : " إلا ذرية من قومه " عائد على فرعون لأن السياق يدل عليه ، وقيل على موسى لقربه ، والأول أظهر كما هو مقرر في التفسير وإيمانهم كان خفياً لمخالفتهم من فرعون وسطوته ، وجبروته وسلطته ، ومن ملئهم أن ينموا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم

    قال الله تعالى مخبراً عن فرعون وكفى بالله شهيداً : " وإن فرعون لعال في الأرض " أي جبار عنيد مشتغل بغير الحق ، " وإنه لمن المسرفين " أي في جميع أموره وشئونه وأحواله ولكنه جرثومة قد حان انجعافها وثمرة خبيثة قد آن قطافها ، ومنهجة ملعونة قد حتم إتلافها

    وعند ذلك قال موسى : " يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين " فأمرهم بالتوكل على الله والإستعانة به ، والإلتجاء إليه ، فأتمروا بذلك فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجاً ومخرجاً

    " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين "

    أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتاً مميزة فيها بينهم عن بيوت القبط ، ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أمروا به ، ليعرف بعضهم بيوت بعض

    وقوله : " واجعلوا بيوتكم قبلة " قيل مساجد ، وقيل معناه كثرة الصلاة فيها

    قال مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعي والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم

    ومعناه على هذا : الإستعانة على ما هم فيه الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة ، كما قال تعالى : " واستعينوا بالصبر والصلاة " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلي

    وقيل معناه : أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم ، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم ، عوضاً عما فاتهم من إظهار شعائر الدين الحق في ذلك الزمان ، الذي اقتضى حالهم إخفاءه خوفاً من فرعون وملئه ، والمعنى الأول أقوى لقوله : " وبشر المؤمنين " وإن كان لا ينافي الثاني أيضاً والله أعلم

    وقال سعيد بن جبير : " واجعلوا بيوتكم قبلة " أي متقابلة

    * * *

    " وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون "

    هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون ، غضباً لله عليه ، لتكبره عن اتباع الحق ، وصده عن سبيل الله ومعاندته وعتوه وتمرده ، واستمراره على الباطل ، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي ، والبرهان القطعي ، فقال : " ربنا إنك آتيت فرعون وملأه " يعني قومه من القبط ، ومن كان على ملته ودان بدينه " زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك " أي وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا فيحسب الجاهل أنهم على شيء ، لكن هذه الأموال وهذه الزينة ، من اللباس والمراكب الحسنة الهنية ، والدور الأنيقة والقصور المبنية ، والمآكل الشهية والمناظر البهية ، والملك العزيز والتمكين والجاه العريض في الدنيا لا الدين

    " ربنا اطمس على أموالهم " قال ابن عباس ومجاهد : أي أهلكها وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك : اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت ، وقال قتادة : بلغنا أن زروعهم صارت حجارة ، وقال محمد بن كعب : جعل سكرهم حجارة ، وقال أيضاً : صارت أموالهم كلها حجارة ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له : قم ائتني بكيس ، فجاء بكيس ، فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة ! رواه ابن أبي حاتم

    وقوله : " واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " قال ابن عباس : أي اطبع عليها وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ولبراهينه

    فاستجاب الله تعالى لها ، وحققها وتقبلها ، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " ولهذا قال تعالى مخاطباً لموسى حين دعا على فرعون وملئه ، وأمن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضاً :" قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون "

    قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب : استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم ، فأذن لهم وهو كاره ، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له ، وإنما كان في نفس الأرض مكيدة بفرعون وجنوده ، ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم

    وأمرهم الله تعالى - فيما ذكره أهل الكتاب - أن يستعيروا حلياً منهم ، فأعاروهم شيئاً كثيراً ، فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم ، طالبين بلاد الشام ، فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق ، واشتد غضبه عليهم ، وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم

    قال الله تعالى : " وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون * فأرسل فرعون في المدائن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون * فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين * فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم "

    قال علماء التفسير : لما ركب فرعون في جنوده طالباً بني إسرائيل يقفو أثرهم كان في جيش كثيف عرمرم ، حتى قيل كان في خيوله مائة ألف فحل أدهم ، وكانت عدة جنود تزيد على ألف ألف وستمائة ألف ، فالله أعلم ، وقيل إن بني إسرائيل كانوا نحواً من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السلام ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستاً وعشرين سنة شمسية

    والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود ،فأدركهم عند شروق الشمس ، وتراءى الجمعان ، ولم يبق ثم ريبولا لبس ، وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه ، ولم يبق إلا المقاتلة والمجادلة والمحاماة فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون : " إنا لمدركون " وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه ، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه ، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم وهي شاهقة منيفة وفرعون قد غالقهم وواجههم ، وعاينوه في جنوده وجيوشه وعدده وعدده ، وهم منه في غاية الخوف والذعر ، لما قاسوا في سلطانه من الإهانة والمكر

    فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه فقال لهم الرسول الصادق المصدوق : " كلا إن معي ربي سيهدين " وكان في الساقة ، فتقدم إلى المقدمة ، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ، ويتزايد زبد أجاجه ، وهو يقول : هاهنا أمرت ومعه أخوه هارون ، ويوشع بن نون ، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعبادهم الكبار ، وقد أوحي الله إليه وجعله نبياً بعد موسى وهارون عليهما السلام ، كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله ، ومعهم أيضاً مؤمن آل فرعون ، وهم وقوف ، وبنو إسرائيل بكمالهم عليه عكوف ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مراراً في البحر ، هل يمكن سلوكه ؟ فلا يمكن ، ويقول لموسى عليه السلام : يا نبي الله هاهنا أمرت ؟ فيقول : نعم

    فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر ، واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدهم وحديدهم ، وغضبهم وحنقهم ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، عند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير ، رب العرش الكريم ، إلى موسى الكليم : " أن اضرب بعصاك البحر " فلما ضربه ، يقال إنه قال له : انفلق بإذن الله ويقال : إنه كناه بأبي خالد والله أعلم

    «« توقيع عبداللطيف »»

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    قال الله تعالى : " فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم " ويقال إنه انفلق اثني عشر طريقاً ، لكل سبط طريق يسيرون فيه ، حتى قيل إنه صار فيه أيضاً شبابيك ليرى بعضهم بعضاً ! وفي هذا نظر ، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه

    وهكذا كان ماء البحر قائماً مثل الجبال ، مكفوفاً بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشيء كن فيكون ، وأمر الله ريح الدبور فلفحت حال البحر فأذهبته ، حتى صار يابساً لا يعلق في سنابك الخيول والدواب

    قال الله تعالى : " ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى "

    والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال ، فبإذن الرب العظيم الشديد المحال ، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل ، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ، ويهدي قلوب المؤمنين فلما جاوزوه وجاوزوه وخرج آخرهم منه ، وانفصلوا عنه ، وكان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ، ووفودهم عليه

    فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ، ولا سبيل عليه ، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال ، كما قال وهو الصادق في المقال : " ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين * وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون * فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون * فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون * واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون * كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين * ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين "

    فقوله تعالى : " واترك البحر رهوا " أي ساكناً على هيئته ، لا يغيره عن هذه الصفة

    قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الأحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم

    فلما تركه على هيئته وحالته وانتهى فرعون ، فرأى ما رأى ، وعاين ما عاين ، هاله هذا المنظر العظيم ، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم ، فأحجم ولم يتقدم ، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم ، لكنه أظهر لجنوده تجلداً وعاملهم معاملة العدا ، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه ، وعلى باطله تابعوه : انظروا كيف انحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي ، الخارجين على طاعتي وبلدي ؟ وجعل يورى في نفسه أن يذهب خلفهم ، ويرجو أن ينجو وهيهات ويقدم تارة ويحج تارات !

    فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حائل فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله ، فحمحم إليها وأقبل عليها ، وأسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحر ، واستبق الجواد وقد أجاد ، فبادر هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضراً ولا نفعاً ، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين ، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين ، حتى هم أولهم بالخروج منه ، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمهه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان ، فلم ينج منهم إنسان

    قال تعالى : " وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " أي في إنجائه أولياءه فلم يغرق منم أحد وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد ، آيه عظيمة ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة ، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة ، ولمناهج المستقيمة

    وقال تعالى : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون "

    يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط ، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى ، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ، ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم ، ليكون أقر لأعين بني إسرائيل ، وأشفى لنفوسهم فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به ، وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب ، وآمن حين لا ينفع نفساً إيمانها ، كما قال تعالى : " إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم "

    وقال تعالى : " فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون "

    وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه ، أن يطمس على أموالهم ، ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، أي حين لا ينفعهم ذلك ، ويكون حسرة عليهم وقد قال تعالى لهما - أي لموسى وهارون - حين دعوا بهذا : " قد أجيبت دعوتكما " فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون عليهما السلام

    ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما قال فرعون " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل " قال لي جبريل : لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه ، مخافة أن تناله الرحمة " !

    ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عند هذه الآية من حديث حماد بن سلمة ، وقال الترمذي : حديث حسن

    وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت ، وعطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال لي جبريل : لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تناله الرحمة "

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أغرق الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته : " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل " قال : فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه ، فجعل يأخذ الحال بجناحيه ، فيضرب به وجهه فيرمسه ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد به

    ورواه الترمذي وابن جرير من حديث شعبة ، وقال الترمذي : حسن غريب صحيح وأشار ابن جرير في رواية إلى وقفه

    وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان وليس بمعروف ، وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال لي جبريل عليه السلام : يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه ، مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له " يعنى فرعون

    وقد أرسله غير واحد من السلف كإبراهيم التيمي وقتادة وميمون بن مهران ، ويقال إن الضحاك بن قيس خطب به الناس ، وفي بعض الروايات أن جبريل قال : ما بغضت أحداً بغضي لفرعون حين قال : " أنا ربكم الأعلى " ولقد جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال

    وقوله تعالى : " آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " استفهام إنكار ، ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك ، لأنه - والله أعلم - لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه ، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون : " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " قال الله : " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون " وقوله : " فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية "

    قال ابن عباس وغير واحد : شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون ، حتى قال بعضهم إنه لا يموت ، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع ، قيل على وجه الماء ، وقيل على نجوة من الأرض ، وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه ليتحققوا بذلك هلاكه ، ويعلموا قدرة الله عليه ولهذا قال : " فاليوم ننجيك ببدنك " أي مصاحباً درعك كالمعروفة بك : " لتكون " أي أنت آية " لمن خلفك " أي من بني إسرائيل ، ودليلاً على قدرة الله الذي أهلكك ، ولهذا قرأ بعض السلف : لتكون من خلفك آية ويحتمل أن يكون المراد : ننجيك بحسدك مصاحباً درعك ، لتكون علامة لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنك هلكت والله أعلم ، وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء

    كما قال الإمام البخاري في صحيحه : حدثنا شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال : ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " أنتم أحق بموسى منهم فصوموا "

    وأصل هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما والله أعلم

    «« توقيع عبداللطيف »»

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل

    بعد هلاك فرعون

    قال الله تعالى : " فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون * وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين * وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم "

    يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم ، وكيف سلبهم عزهم ومالهم وأنفسهم ، وأورث بني إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم ، كما قال : " كذلك وأورثناها بني إسرائيل " وقال : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " وقال هاهنا : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون "

    أي أهلك ذلك جميعه ، وسلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا ، وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه وجنوده ، ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا

    ذكر ابن عبد الحكم في تاريخ مصر : أنه من ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها ، بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة ، فكانت لهن السطوة عليهم واستمرت هذه سنة نساء مصر إلى يومنا هذا !

    وعند أهل الكتاب : أن بني إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سنتهم وأمروا أن يذبح أهل كل بيت حملاً من الغنم ، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ، ليكون علامة لهم على بيوتهم ، ولا يأكلونه مطبوخاً ، ولكن مشوياً برأسه وأكارعه وبطنه ، ولا يبقوا منه شيئاً ، ولا يكسروا له عظماً ، ولا يخرجوا منه شيئاً إلى خارج بيوتهم ، وليكن خبزهم فطيراً سبعة أيام ، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم ، وكان ذلك في فصل الربيع فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة ، وخفافهم في أرجلهم ، وعصيهم في أيديهم ، وليأكلوا بسرعة قياماً ، ومهما فضل عن عشائهم فما بقى إلى الغد فليحرقوه بالنار ، وشرع لهم هذا عيداً لأعقابهم ما دامت التوراة معمولاً بها ، فإذا نسخت بطل شرعها وقد وقع

    قالوا : وقتل الله عز وجل في تلك الليلة أبكار القبط وأبكار دوابهم ، ليشتغلوا عنهم ، وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار ، وأهل مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم ، ليس من بيت إلا فيه عويل

    وحين جاء الوحي إلى موسى خرجوا مسرعين ، فحملوا العجين قبل اختماره ، وحملوا الأردية وألقوها على عواتقهم ، وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حلياً كثيراً ، فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذراري بما معهم من الأنعام ، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة هذا نص كتابهم

    وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ وهذا العيد الفسخ : ولهم عيد الفطر وعيد الحمل وهو أول السنة ، وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم ، منصوص عليها في كتابهم

    ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام ، وخرجوا على طريق بحر يوسف ، وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عمود نور ، والليل أمامهم عمود نار ، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر فنزلوا هنالك ، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين ، وهم هناك حلول على شاطئ اليم ، فقلق كثير من بني إسرائيل ، حتى قال قائلهم : كان بقاؤنا بمصر أحب إلينا من الموت بهذه البرية فقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة : لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا

    قالوا : وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل في البحر واليبس ، وصار الماء من هاهنا وهاهنا كالجبلين ، وصار وسطه يبساً ، لأن الله سلط عليه ريح الجنوب والسموم فجاز بنو إسرائيل البحر وأتبعهم فرعون وجنوده ، فلما تسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه ، فرجع الماء كما كان عليهم لكن عند أهل الكتاب : أن هذا كان في الليل ، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم والله أعلم

    قالوا : ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب ، وقالوا : نسبح الرب البهي ، الذي قهر الجنود ، ونبذ فرسانها في البحر الأنيع المحمود وهو تسبيح طويل

    قالوا : وأخذت مريم النبية - أخت هارون - دفاً بيدها ، وخرج النساء في أثرها كلهن بدفوف وطبول ، وجعلت مريم ترتل لهن وتقول : سبحان الرب القهار ، الذي قهر الخيول وركبانها إلقاء في البحر

    هكذا رأيته في كتابهم ولعل هذا هو من الذي حمل محمد بن كعب القرظي على زعمه : أن مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هارون وموسى مع قوله : " يا أخت هارون وقد بينا غلطه في ذلك ، وأن هذا لا يمكن أن يقال ، ولم يتابعه أحد عليه ، بل كل واحد خالفه فيه ولو قدر أن هذا محفوظ ، فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون عليهما السلام وأم عيسى عليها السلام وافقتها في الإسم واسم الأب واسم الأخ ، لأنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة ، لما سأله أهل نجران عن قوله : " يا أخت هارون " فلما يدر ما يقول لهم : حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم " رواه مسلم

    وقولهم : النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة ، ومن بيت الإمرة أميرة ، وإن لم تكن مباشرة شيئاً من ذلك ، فكذا هذه استعارة لها ، لا أنها نبية حقيقة يوحى إليها

    وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلها ضرب الدف في العيد ، وهذا مشروع لنا أيضاً في حق النساء : لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في أيام منى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع مول ظهره إليهن ، ووجهه إلى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن وقال أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال " دعهن يا أبا بكر فان لكل قوم عيداً وهذا عيدنا " وهكذا يشرع عندنا في الأعراس ولقدوم الغياب ، كما هو مقرر في موضعه والله أعلم

    وذكروا أنهم لما جازوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء ، فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك ، فوجدوا ماء زعافاً أجاجاً لم يستطيعوا شربه ، فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه ، فحلا وساغ شربه ، وعلمه الرب هنالك فرائض وسننا ، ووصاه وصايا كثيرة

    * * *

    وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ماعداه من الكتب : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون "

    قالوا هذا الجهل والضلال ، وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام وذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصناماً ، قيل كانت على صور البقر ، فكأنهم سألوهم لم يعبدونها ؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضروريات ، فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك ، فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم ، أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة ، فقال لهم مبيناً لهم إنهم لا يعقلون ولا يهتدون : " إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون "

    ثم ذكرهم نعمة الله عليهم ، في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع ، والرسول الذي بين أظهرهم ، وما أحسن به إليهم وما امتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد ، وإهلاكه إياه وهم ينظرون ، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة ، وما كانوا يعرشون ، وبين لهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده لا شريك له ، لأنه الخالق الرازق القهار ، وليس كل بني إسرائيل سأل هذا السؤال ، بل هذا الضمير عائد على الجنس في قوله : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " أي قال بعضهم كما في قوله : " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا " فالذين زعموا هذا بعض الناس لا كلهم

    وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين ، فمررنا بسدرة فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى : " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم "

    ورواه النسائي عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق به ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري به ، ثم قال : حسن صحيح

    وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومعمر وعقيل عن الزهري ، عن سنان بن أبي سنان ، عن أبي واقد الليثي ، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين قال : وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ، ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط قال : فمررنا بسدرة خضراء عظيمة ، قال : فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال : قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى : " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون "

    * * *

    «« توقيع عبداللطيف »»

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    والمقصود أن موسى عليه السلام ، لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوماً من الجبارين ، من الحيثانيين والفزازيين والكنعانيين وغيرهم

    فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم ، وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس ، فإن الله كتبه لهم ، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل وموسى الكليم الجليل ، فأبوا ونكلوا عن الجهاد ، فسلط الله عليهم الخوف ، وألقاهم في التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون ، في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون ، كما قال الله تعالى : " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين "

    يذكرهم نبي الله نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية ، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال : " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم " أي تنكصوا على أعقابكم ، وتنكلوا عن قتال أعدائكم " فتنقلبوا خاسرين " أي فتخسروا بعد الربح ، وتنقصوا بدع الكمال

    " قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين " أي عتاة كفرة متمردين " وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون ، وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأساً ، وأكثر جمعاً وأعظم جنداً وهذا يدل علي أنهم ملومون في هذه المقالة ، ومذمومون على هذه الحالة ، من الذلة عن مصاولة الأعداء ، ومقاومة المردة الأشقياء

    وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثاراً فيها مجازفات كثيرة باطلة ، يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالاً هائلة ضخاماً جداً حتى إنهم ذكروا أن رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين ، فجعل يأخذهم واحداً واحداً ، ويلقهم في أكمامه وحجرة سراويله ، وهم اثنا عشر رجلاً ، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين فقال : ما هؤلاء ؟ ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها

    وأن الملك بعث معهم عنبةً كل عنبة تكفي الرجل ، وشيئاً من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم ، وهذا ليس بصحيح

    وذكروا هاهنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم ، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع

    هكذا ذكره البغوي وغيره ، وليس بصحيح ، كما قدمنا بيانه عند قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن "

    قالوا : فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ، ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى ، فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقاً في عنق عوج بن عنق ثم عمد موسى إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشر أذرع ، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع ، فوصل إلى كعب قدمه فقتله

    يروى هذا عن نوف البكالي ، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي إسناده إليه نظر ، ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات ، وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل ، فإن الأخبار الكاذبة قد كثرت عندهم ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها ثم لو كان هذا صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم ، وقد ذمهم الله على نكولهم ، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم ، وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام ، ونهياهم عن الإحجام ، ويقال : إنهما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس ، وغير واحد

    " قال رجلان من الذين يخافون " أي يخافون الله ، وقرأ بعضهم : " يخافون " أي يهابون : " أنعم الله عليهما " أي بالإسلام والإيمان والطاعة والشجاعة " ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " أي إذا توكلتم على الله ، واستعنتم به ولجأتم إليه ، نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم وأظفركم بهم

    " قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " فصمم ملؤهم على النكول عن الجهاد ، ووقع أمر عظيم ووهن كبير ، فيقال : إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقا ثيابهما ، وإن موسى وهارون سجدا إعظاماً لهذا الكلام وغضباً لله عز وجل ، وشفقة عليهم من وبيل المقالة

    " قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " قال ابن عباس : اقض بيني وبينهم : " قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين " عوقبوا على نكالهم بالتيهان في الأرض ، يسيروا إلى غير مقصد ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساءً ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله ، بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ، ولم يبق إلا ذراريهم ، سوى يوشع وكالب عليهما السلام

    لكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى ، بل لما استشارهم في الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن وتكلم غيره من المهاجرين

    ثم جعل يقول : أشيروا علي حتى قال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول الله ؟ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك

    وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن مخارق بن عبد الله الأحمسى ، عن طارق - هو بن سهاب - أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون وهذا إسناد جيد من هذا الوجه ، وله طرق أخرى

    قال أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا إسرائيل ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب ، قال : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، لقد شهدت من المقدار مشهداً ، لأن أكون أنا صاحبه ، أحب إلى مما عدل به ، أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال : والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكننا نقاتل عن يمينك ، وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك رواه البخاري في التفسير ، والمغازي من طرق عن مخارق به

    وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا على بن الحسين بن علي ، حدثنا أبو حاتم الرازي ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري : حدثنا حميد عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر ، استشار المسلمين فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فقالت الأنصار : يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم : قالوا : إذن لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك

    رواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد ، عن حميد الطويل ، عن أنس به ، ورواه النسائي عن محمد بن المثني ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، عن أنس به نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى ، عن عبد الأعلى عن معتمر ، عن حميد ، عن أنس به نحوه

    «« توقيع عبداللطيف »»

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    فصل في دخول بني إسرائيل التيه وما جرى لهم فيه من الأمور العجيبة

    قد ذكرنا نكول بني إسرائيل عن قتال الجبارين ، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه ، وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة

    ولم أر في كتاب أهل الكتاب قصة نكولهم عن قتال الجبارين ، ولكن فيها : أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفة من الكفار ، وأن موسى وهارون وخور جلسوا على رأس أكمة ، ورفع موسى عصاه ، فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم ، وكلما مالت يده بها من تعب أو نحوه غلبهم أولئك وجعل هارون وخور يدعمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس ، فانتصر حزب يوشع عليه السلام وعندهم أن ( يثرون ) كاهن مدين وختن موسى عليه السلام بلغه ما كان من أمر موسى وكيف أظفره الله بعدوه فرعون ، فقدم على موسى مسلماً ، ومعه ابنته صفورا زوجة موسى ، وابناها منه ، جرشون و عازر فتلقاه موسى وأكرمه ، واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظموه وأجلوه

    وذكروا أنه رأى كثرة اجتماع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم ، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالاً أمناء أتقياء أعفاء ، يبغضون الرشاء والخيانة ، فيجعلهم على الناس رءوس ألوف ، ورءوس مئين ، ورءوس خمسين ، ورءوس عشرة ، فيقضوا بين الناس ، فإذا أشكل عليهم أمر جاءوك ففصلت بينهم ما أشكل عليهم ، ففعل ذلك موسى عليه السلام

    قالوا : ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء ، في الشهر الثالث من خروجهم من مصر ، وكان خروجهم في أول السنة التي شرعت لهم ، وهي أول فصل الربيع ، فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم

    قالوا : ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء ، وصعد موسى الجبل فكلمه ربه ، وأمره أن يذكر بني إسرائيل ما أنعم به عليهم ، من إنجائه إياهم من فرعون وقومه ، وكيف حملهم على مثل جناحي نسر من يده وقبضته ، وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم وليستعدوا إلى اليوم الثالث ، فاذا كان في اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ، ولا يقتربن أحد منهم إليه ، فن دنا منه قتل ، حتى ولا شيء من البهائم ، ماداموا يسمعون صوت القرن فإذا سكن القرن فقد حل لكم أن ترتقوه فسمع بنو إسرائيل ذلك وأطاعوا واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا

    فلما كان اليوم الثالث ركب الجبل غمامة عظيمة ، وفيها أصوات وبروق وصوت الصور شديد جداً ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعاً شديداً ، وخرجوا فقاموا في سفح الجبل ، وغشي الجبل دخان عظيم في وسطه عمود نور زلزل الجبل كله زلزلة شديدة ، واستمر صوت الصور ، وهو البوق واشتد ، وموسى عليه السلام فوق الجبل ، والله يكلمه ويناجيه ، وأمر الرب عز وجل موسى أن ينزل فيأمر بين إسرائيل أن يتقربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله ، وأمر الأحبار ، وهم علماؤهم أن يدنوا فيصعدوا الجبل ، ليتقدموا بالقرب

    وهذا نص في كتابهم على وقوع النسخ لا محالة

    فقال موسى : يارب إنهم لايستطيعون أن يصعدوا ، وقد نهيتهم عن ذلك ، فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتي معه بأخيه هارون ، ولكن الكهنة وهم العلماء ، والشعب وهم بقية بني إسرائيل ، غير بعيد ففعل موسى

    وكلمه ربه عز وجل ، فأمره حينئذ بالعشر الكلمات

    وعندهم أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله ، ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى ، وجعلوا يقولون لموسى : بلغنا أنت عن الرب عز وجل ، فإنا نخاف أن نموت

    فبلغهم عنه فقال هذه العشر الكلمات وهي : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والنهي عن الحلف بالله كاذباً ، والأمر بالمحافظة على السبت ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة ، وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي نسخ الله به السبت أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض الذي يعطيك الله ربك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا نشهد على صاحبك شهادة زور لا تعمد عينك إلي بيت صاحبك ، ولا تشته امرأة صاحبك ، ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ، ولا حماره ، ولا شيئاً من الذي لصاحبك ومعناه النهي عن الحسد

    وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم : مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن ، وهما قوله تعالى في سورة الأنعام : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون * وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون "

    وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة وأحكاماً متفرقة عزيزة ، كانت فزالت ، وعمل بها حيناً من الدهر ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ، ثم عمدوا إليها فبدلوها وحرفوها ، ثم بعد ذلك كل سلبوها فصارت منسوخة مبدلة ، بعد ما كانت مشروعة مكملة

    فلله الأمر من قبل ومن بعد ، وهو الذي يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين

    وقد قال الله تعالى : " يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى * وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى "

    يذكر تعالى منته وإحسانه إلا بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج وأنه وعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الأيمن أي منهم ، لينزل عليه أحكاماً عظمية فيما مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس ليها زرع ولا ضرع ، مناً من السماء ، يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم ، فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد ، ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسد ، ومن أخذ منه قليلاً كفاه ، أو كثيراً لم يفضل عنه فيصنعون منه مثل الخبز ، وهو في غاية البياض والحلاوة ، فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى ، فيقتنصون منها بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشائهم

    وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام ، وهو السحاب الذي يستر عنهم حر الشمس وضوءها الباهر ، كما قال تعالى في سورة البقرة : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون "

    إلى أن قال : " وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم * وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون * وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون * ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون * وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون * وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم * وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون * وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "

    إلى أن قال : " وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين * وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "

    فذكر تعالى إنعامه عليهم ، وإحسانه إليهم ، بما يسر لهم من المن والسلوى ، طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعي لهم فيه ، بل ينزل الله المن باكراً ، ويرسل عليهم طير السلوى عشياً ، وأنبع الماء لهم ، بضرب موسى عليه السلام حجراً كانوا يحملونه معهم بالعصا ، فتفجر منه اثنتا عشرة عيناً ، لكل سبط عين منه تنبجس ، ثم تنفجر ماء زلالاً فيستقون فيشربون ويسقون دوابهم ، ويدخرون كفايتهم ، وظلل عليهم الغمام من الحر

    وهذه نعم من الله عظيمة ، وعطيات جسيمة ، فما رعوها حق رعايتها ، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها ، ثم ضجر كثير منهم منها وتبرموا بها ، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ، مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها

    فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم قائلاً : " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها ، وإذا هبطتم بها ما تشتهون وما ترومون بما ذكرتم من المآكل الدنية والأغذية الردية ، ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك هاهنا ، ولا أبلغم ما تعنتم به من المنى

    وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم ، تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه ، كما قال تعالى : " ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى " أي فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار ، وقد حل عليه غضب الملك الجبار

    ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد ، بالرجاء لمن أناب وتاب ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد ، فقال : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى "

    «« توقيع عبداللطيف »»

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    سؤال الرؤية

    قال تعالى : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين * ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين * قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين * وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين * سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون "

    قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد : الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله ، وأتمت أربعين ليلة بعشر من ذي الحجة

    فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر ، وفي مثله أكمل الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه ، وأقام حجته وبراهينه

    والمقصود أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات ، وكان فيه صائماً يقال إنه لم يستطعم الطعام ، فلما كمل الشهر أخذ لحاء شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه ، فأمره الله أن يمسك عشراً أخرى ، فصارت أربعين ليلة ولهذا ثبت في الحديث : أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك

    فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون ، المحبب المبجل الجليل وهو ابن أمه وأبيه ، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه ، فوصاه ، وأمره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة

    قال الله تعالى : " ولما جاء موسى لميقاتنا " أي في الوقت الذي أمر بالمجىء فيه ، " وكلمه ربه " أي كلمه الله من وراء حجاب ، إلا أنه أسمعه الخطاب ، فناداه وناجاه ، وقربه وأدناه ، وهذا مقام رفيع ومعقل منيع ، ومنصب شريف ومنزل منيف ، فصلوات الله عليه تترى ، وسلامه عليه في الدنيا والأخرى

    ولما أعطى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية ، وسمع الخطاب ، سأل رفع الحجاب ، فقال للعظيم الذي لا تدركه الأبصار القوي البرهان : " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني " ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى ، لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتاً وأشد ثباتاً من الإنسان ، لا يثبت عند التجلي من الرحمن ولهذا قال : " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني "

    وفي الكتب المتقدمة : أن الله تعالى قال له : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده

    وفي الصحيحين عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حجابه النور - وفي رواية : النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إلى بصره من خلقه "

    وقال ابن عباس في قوله تعالى : " لا تدركه الأبصار " ذاك نوره الذي هو نوره ، إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء

    ولهذا قال تعالى : " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين "

    قال مجاهد : " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " فإنه أكبر منك وأشد خلقاً ، " فلما تجلى ربه للجبل " فنظر إلى الجبل لا يتمالك ، وأقبل الجبل فدك على أوله ، ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقاً

    وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد و الترمذي ، وصححه ابن جرير و الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت ، وزاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا " قال هكذا بأصبعه ، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل ، لفظ ابن جرير

    وقال السدي عن عكرمة ، عن ابن عباس : ما تجلي - يعنى من العظمة - منه إلا قدر الخنصر فجعل الجبل دكاً ، قال : تراباً ، " وخر موسى صعقا " أي مغشياً عليه وقال قتادة : ميتاً والصحيح الأول لقوله : " فلما أفاق " فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي " قال سبحانك " تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد ، " تبت إليك " أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية ، " وأنا أول المؤمنين " أنه لا يراك أحد حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده

    وقد ثبت في الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تخيروني من بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزى بصعقة الطور " ؟

    لفظ البخاري وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تخيروني من بين الأنبياء "

    وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وفيه : " لا تخيروني على موسى " وذكر تمامه

    وهذا من باب الهضم والتواضع ، أو النهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية ، أو : ليس هذا إليكم بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات ، وليس ينال هذا بمجرد الرأي ، بل بالتوقيف

    ومن قال إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ، ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم ، ففي قوله نظر ، لأن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخراً ، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا والله أعلم

    ولا شك أنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أفضل البشر بل الخليقة ، قال الله تعالى : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " وما كملوا إلا بشرف نبيهم

    وثبت بالتواتر عنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون ، حتى أولوا العزم الأكملون : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم

    وقوله صلى الله عليه وسلم : " فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش - أي آخذاً بها - فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " دليل على أن هذا الصعق الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة ، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده : فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال ، فيكون أولهم إفاقة محمد خاتم الأنبياء ، ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء ، فيجد موسى باطشاً بقائمة العرش قال الصادق المصدوق : " فلا أدرى أصعق فأفاق قبلي " ؟ أي وكانت صعقته خفيفة ، لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق ، " أو جوزي بصعقة الطور " ؟ يعنى فلم يصعق بالكلية

    وهذا فيه شرف كبير لموسى عليه السلام من هذه الحيثية ، ولا يلزم تفضيله بها مطلقاً من كل وجه ولهذا نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة ، لأن المسلم لما ضرب وجه اليهودي حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر ، قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى عليه الصلاة والسلام ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلته وشرفه

    وقوله تعالى : " قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي " أي في ذلك الزمان ، لا ما قبله ، لأن إبراهيم الخليل أفضل منه ، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم ، ولا ما بعده ، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل منهما ، كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء ، وكما ثبت أنه قال : " سأقوم مقاماً يرغب إلي الخلائق حتى إبراهيم "

    وقوله تعالى : " فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين " أي فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام ، ولا تسأل زيادة عليه ، وكن من الشاكرين على ذلك

    وقال الله تعالى : " وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء " وكانت الألواح من جوهر نفيس ، ففي الصحيح : أن الله كتب له التوراة بيده ، وفيها مواعظ عن الآثام ، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام

    " فخذها بقوة " أي بعزم ونية صادقة قوية " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها " أن يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها " سأريكم دار الفاسقين " أي سترون عاقبة الخارجين عن طاعتي ، المخلفين لأمري ، المكذبين لرسلي

    " سأصرف عن آياتي " أي عن فهمها وتدبرها ، وتعقل معناها الذي أريد منها ، ودل عليه مقتضاها " الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها " أي ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات ، لا ينقادون لإتباعها " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا " أي لا يسلكوه ولا يتبعوه " وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا " أي صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا ، وتغافلهم عنها ، وإعراضهم عن التصديق بها والتفكير في معناها ، وترك العمل بمقتضاها " والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون "

    «« توقيع عبداللطيف »»

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    آخر نشاط
    01-05-2009
    على الساعة
    01:53 AM
    المشاركات
    633

    افتراضي

    قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم

    قال الله تعالى : " واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين * ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين * ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين * قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين * إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم * ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون "

    وقال تعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى * قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري * فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي * قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري * فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي * أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا * ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى * قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * أن لا تتبعن أفعصيت أمري * قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي * قال فما خطبك يا سامري * قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا * إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما "

    يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل ، حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه فمكث على الطور يناجيه ربه ويسأله موسى عليه السلام عن أشياء كثيرة وهو تعالى يجيبه عنها

    فعمد رجل منهم يقال له هارون السامري ، فأخذ ما كانوا استعاروه من الحلي ، فصاغ منه عجلاً وألقي فيه قبضة من التراب ، كان أخذها من أثر فرس جبريل ، حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه فلما ألقاها في فيه خار كما يخوار العجل الحقيقي ويقال إنه استحال عجلاً جسداً ، أي لحماً يخور ودماً حياً يخور ، قاله قتادة وغيره وقيل بل كانت ، الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة ، فيرقصون حوله ويفرحون

    " فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي " أي فنسى موسى ربه عندنا ، وذهب يتطلبه وهو هاهنا ! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، وتقدست أسماؤه وصفاته ، وتضاعفت آلاؤه وهباته

    قال الله تعالى مبيناً بطلان ما ذهبوا إليه ، وما عولوا عليه من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيواناً بهيماً أو شيطاناً رجيماً : " أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا " وقال : " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين "

    فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جواباً ، ولا يملك ضراً ولا نفعاً ، ولا يهدى إلى رشد اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم ، عالمون في أنفسم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال

    " ولما سقط في أيديهم " أي ندموا على ما صنعوا " ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين "

    ولما رجع موسى عليه السلام إليهم ، ورأى ما هم عليهم من عبادة العجل ، ومعه الألواح المتضمنة التوراة ، ألقاها ، فيقال إنه كسرها وهكذا هو عند أهل الكتاب ، وإن الله أبدله غيرها ، وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك ، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين

    وعند أهل الكتاب : أنهما كانا لوحين ، وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة ، ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل ، فأمره بمعاينة ذلك

    ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد و ابن حبان عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الخبر كالمعاينة "

    ثم أقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذوا إليه بما ليس بصحيح ، قالوا : إنا " حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري " تحرجوا من تملك حلى آل فرعون وهم أهل حرب ، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم ، ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الذي له خوار ، مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار !

    ثم أقبل على أخيه هارون عليهما السلام قائلاً له : " يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * أن لا تتبعن " أي هلا لما أرأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا فقال : " إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل " أي تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم

    " قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين " وقد كان هارون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي ، وزجرهم عنه أتم الزجر

    قال الله تعالى : " ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به " أي إنما قدر الله أمر هذا العجل وجعله يخور فتنة واختباراً لكم ، " وإن ربكم الرحمن " أي لا هذا " فاتبعوني " أي فيما أقول لكم " وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى " يشهد الله لهارون عليه السلام " وكفى بالله شهيدا " أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه

    ثم أقبل موسى على السامري " قال فما خطبك يا سامري " أي ما حملك على ما صنعت ؟ " قال بصرت بما لم يبصروا به " أي رأيت جبريل وهو راكب فرساً : " فقبضت قبضة من أثر الرسول " أي من أثر فرس جبريل وقد ذكر بعضهم أنه رآه ، وكلما وطئت بحوافرها على موضع أخضر وأعشب ، فأخذ من أثر حافرها ، فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمر ما كان ولهذا قال : " فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس " وهذا دعاء عليه بألا يمس أحداً ، معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه ، هذا معاقبة له في الدنيا ، ثم توعده في الأخرى فقال : " وإن لك موعدا لن تخلفه " وقرئ : " لا نخلفه " " وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا " قال : فعمد موسى عليه السلام إلى هذا العجل ، فحرقه : قيل : بالنار ، كما قاله قتادة وغيره ، وقيل بالمبادر ، كما قاله علي وابن عباس وغيرهما ، وهو نص أهل الكتاب ، ثم ذراه في البحر ، وأمر بني إسرائيل فشربوا ، فمن كان من عابديه علق في شفاههم من ذلك الرماد ما يدل عليه ، وقيل بل اصفرت ألوانهم

    ثم قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لهم : " إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما "

    وقال تعالى : " إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين " وهكذا وقع وقد قال بعض السلف : " وكذلك نجزي المفترين " مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة

    ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه ، وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه ، بتوبته عليه ، فقال : " والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم "

    لكن لم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل ، كما قال تعالى : " وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم " فيقال إنهم أصبحوا يوماً وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف ، وألقى الله عليهم ضباباً حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه ، ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم ، فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفاً

    ثم قال تعالى : " ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون " استدل بعضهم بقوله : " وفي نسختها " على أنها تكسرت ، وفي هذا الإستدلال نظر ، وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت والله أعلم

    وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي : أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر ، وما هو ببعيد ، لأنهم حين خرجوا : " قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " وهكذا عند أهل الكتاب ، فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم ، بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل ، قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف ، ثم ذهب موسى يستغفر ، فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة

    " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون "

    ذكر السدي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرإئيل ، ومعهم موسى وهارون ويوشع وناذاب وأبيهو ، ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل ، وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا ، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعود النور ساطع صعد موسى الجبل

    فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين ، وحملوا عليه قوله تعالى : " وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون "

    وليس هذا بلازم ، لقوله تعالى : " فأجره حتى يسمع كلام الله " أي مبلغاً ، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغاً من موسى عليه السلام

    وزعموا أيضاً أن السبعين رأوا الله ، وهذا غلط منهم ، لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة ، كما قال تعالى : " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " وقال هاهنا : " فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي "

    قال محمد بن إسحاق : اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلاً الخير فالخير ، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه بما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم

    فخرج بهم إلى طور سيناء ، لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم ، فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله ، فقال : أفعل

    فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشي الجبل كله ، ودنا موسى فدخل في الغمام ، وقال للقوم : ادنوا وكان موسى إذا كلمه الله ، وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه الحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً ، فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليه فقالوا : " يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " فأخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة فأتلفت أرواحهم فماتوا جميعاً فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ، ويرغب إليه ويقول : " رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منا فإنا براء مما عملوا

    وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج : إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل وقوله : " إن هي إلا فتنتك " أي اختبارك وابتلاؤك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس ، وغير واحد من علماء السلف والخلف ، يعني أنت الذي قدرت هذا ، وخلقت ما كان من أمر العجل اختباراً تختبرهم به كما : " قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به " أي اختبرتم

    ولهذا قال : " تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء " أي من شئت أضللته باختبارك إياه ، ومن شئت هديته ، لك الحكم والمشيئة ولا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت

    " أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك " أي تبنا إليك ورجعنا وأنبنا ، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية وإبراهيم التيمي والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد وهو كذلك في اللغة

    «« توقيع عبداللطيف »»

صفحة 7 من 10 الأولىالأولى ... 56789 ... الأخيرةالأخيرة

قصص الانبياء

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. شجرة الانبياء
    بواسطة اية الله في المنتدى قسم الإسلامي العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 11-09-2010, 02:05 AM
  2. ما اروع قصص الانبياء
    بواسطة عبداللطيف في المنتدى مكتبة الفرقان للكتب والابحاث
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-01-2009, 11:43 AM
  3. الانبياء
    بواسطة TWISTER5005 في المنتدى قسم الإسلامي العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 16-03-2006, 03:37 AM
  4. الانبياء
    بواسطة TWISTER5005 في المنتدى قسم المواضيع العامة والأخبار المتنوعة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 16-03-2006, 03:37 AM
  5. عصمة الانبياء
    بواسطة المحاكى في المنتدى قسم الرد علي الشُبهات والأسئلة حول الإسلام
    مشاركات: 22
    آخر مشاركة: 07-07-2004, 05:22 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

قصص الانبياء

قصص الانبياء