لمّا لم يجد المعترض أي موضع في الأسفار الخمسة يستند إليه في أن الرب قد تجلَّى من جبل سعير، لجأ إلى حيلةأخرى وهي الزعم بأن دبورة أخبرت بذلك!
يقول: "وعن تجلّيه من سعير تقول دبّورة النبيّة فى سفر القضاة: "يَا رَبُّ بِخُرُوجِكَ مِنْ سَعِيرَ, بِصُعُودِكَ مِنْ صَحْرَاءِ أَدُومَ, الأَرْضُ ارْتَعَدَتِ. السَّمَاوَاتُ أَيْضاً قَطَرَتْ. كَذَلِكَ السُّحُبُ قَطَرَتْ مَاءً. تَزَلْزَلَتِ الْجِبَالُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ, وَسِينَاءُ هَذَا مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ" (قضاة5/4-5)". اهـ (*)
وهذا الزعم باطل وفيه تدليس على عوام شعبه، وتفنيد ذلك بسيط:
فالنصّ إنما يتحدث عمّاحصل بعد الخروج من سعيرلا أثناءالتواجد فيها. ففي الترجمة الإنجليزية الحرفية للعهد القديم العبري (JPS):
LORD, when Thou didst go forth out of Seir, when Thou didst march out of the field of Edom
"يا رب، عندماخرجتَ من سعير،عندما مشيتَ من حقل أدوم". اهـ (*)
وفي الترجمة المشتركة: "حين خرجتَ يا رب من سعير، ومن صحراء أدوم حين صعدتَ"، وفي الكاثوليكية: "حين خرجتَ يا رب من سعير، وزحفتَ من حقول أدوم".
النص لم يقل: لمّا نزل بنو إسرائيل أدوم، تزلزلت الجبال!! لا .. إنه ببساطة يتحدث عن تقدّم بني إسرائيل تجاه كنعان بعد انصرافهم من سعير.
وهذا هو ماأقرّ به ويزلي في تفسيره، فقال:
Edom - Seir and Edom are the same place; and these two expressions note the same thing, even God's marching in the head of his people, from Seir or Edom, towards the land of Canaan: while the Israelites were encompassing mount Seir, there were none of the following effects; but when once they had done that, and got Edom on their backs, then they marched directly forward towards the land of Canaan
...
The earth trembled - God prepared the way for his people, and struck a dread into their enemies, by earth-quakes as well as by other terrible signs
أدوم: سعير وأدوم هما نفس المكان، وكلتا الصيغتين تشيران إلى نفس الشيء وهوسَير الله على رأس شعبه، من سعير أوأدوم،باتجاه أرض كنعان. فحين ماكان بنو إسرائيل يدورون حول جبل سعير، لم يحدث أي شيء من هذه المظاهر المذكورة بعدها. ولكن ما أن فعلوا ذلك وجعلوا أدوم في ظهورهم، حينئذ ساروا مباشرة باتجاه أرض كنعان
...
الأرض ارتعدت: أعَدَّ الله الطريق لشعبه، وألقى الرعب في قلوب أعدائهم بالزلازل وبآيات أخرى رهيبة. اهـ (*)
فقد اعترف صراحة أن ارتعاد الأرض وتزلزل الجبال وكل هذه المظاهر لم تحدث إلا بعد انصرافهم من سعيروتركوها وراء ظهورهم منطلقين إلى كنعان.
فيا أيها المسكين .. أين هو التجلي الإلهي من سعيرفي كلام دبورة!! بل أقول: نعم لقد كان هناك تجلّي إلهي من سعير حين ترك الله شعبه ولم يصغ إليهم وكسّرهم الأموريون كما هو مذكور في (تث 1: 44-45)!
خدعوك ... فقالوا !!!
فاران بين مصر وفلسطين!
مرّ علينا طرف من هذا الزعم كإشارة عابرة، لكن المعترض تناول هذا بشيء من التفصيل فقال:
"وبالرغم من وضوح المعنى والقصد في الآيات السابقة إلا أن بعض الكتاب من الأخوة المسلمين قالوا أن " مجيئه من سيناء يعني إعطاؤه التوراة لموسى،وإشراقه من سعير يعني إعطاؤه الإنجيل لعيسي، وتلكؤه من فاران يعني إنزاله القرآن على نبي المسلمين، لأن فاران من جبال مكّة "(1)!! وقال أحد هؤلاء الكتاب " لكن تذكرالتوراة أيضًا أنّ إسماعيل قد نشأ في بريّة فاران (تكوين21/21) ومن المعلوم تاريخيًا أنه نشأ في مكة المكرمة في الحجاز"(2)!! وقد إختلف هؤلاء الكتاب في تحديدموقع فاران ولم يتفقوا على شيء:
1- فقال الشيخ رحمة الله الهندي فاران جبل بمكة؛ " استعلانه من جبل فاران تعنى إنزاله القرآن لأن فاران جبل من جبال مكة "(3)!! هكذا دون توثيق!!
2- وقال محمدالشرقاوى أنها بلاد الحجاز نفسها؛ " فاران هي بلاد الحجاز التي هاجر إليها إبراهيم وولد فيها النبى "(4)!! ولم يذكر لناخريطة تدل على ذلك!!
3- ولما وجد إبراهيم خليل أحمد أنه لا يوجد لا جبل ولا بلد في بلاد الحجاز تُسمّي باسم فاران قال أنها مجرد مجاز " فاران مجازعن الأرض التي سكن فيها جد الرسول الكريم سيدناإسماعيل"(5)!!
4- وقال بشري زخارى أنها بريّة من جبال مكة " فاران برية بين ثلاث جبال بمكة هي أبو قيس وقيعان وجبل حراء وفيها سكن إسماعيل"(6)!! وليلته يدلّناعلى خريطة واحدة أومرجع واحد يثبت صحة مزاعمه!!
5- وعندما وجد د. السقا أن هذه الاستنتاحات غير مجدية فقد حاول تأويلها بقوله أنّ فاران سُكنى بنى إسماعيل وحيث أنّ إسماعيل له بركة وقد ظهر في بني إسماعيل نبي في مكان سّكناه وانتشر دينه شرقًا وغربًا فيكون المعنى بالتلألؤ من جبل فاران يُشيرإلى بدء بركته (7)!!
6- وقال أبو عبيد الله القضاعي في كتابه تخطيط مصر أنّ فاران، والطور كورتان من كور مصر القبلية، وفاران من قرى صفد سمرقند ويُنسب إليهاأبو منصور الفاراني. [ تخطيط مصر للقضاعي ]. ولم يقلْ أنّ فاران جبل في مكة إلاياقوت في كتابه [ المشترك وضعًا والمختلف صقعًا ] " فاران اسم جبال مكة. وقيل اسم جبال الحجاز. وقال أبو عببيد القضاعي في كتاب [ خطط مصر ]: وفاران والطور كورتان منكور مصر القبلية. وفاران أيضًا من قري صفد سمرقند، يُنسب إليها أبو منصور الفارابي " ومع ذلك لم يحدد يقينًا ذلك، إذ أنه قال: أن فاران موجودة في أربعة محلات وهي مكة والحجاز ومصر وبلاد فارس!!
ومع ذلك تؤكدالآيات الكتابية التي وردت فيهاكلمة فاران أنّها تقع فيما بين مصروفلسطين بالقرب من ايلات الحالية وتبعد عن مكة بحوالي 500 كيلومتر(8)!!
7- بل وقد جاء في كتاب معجم البلدان أنّ اسم ( فيران، فيرن،فارايان،فاران ( كلها أسماء مختلفة لجبل واحد يقع في المنطقة ما بين مصر والشام وعلى الأرجح في فلسطين(9). (*)
وقد فضـّلتُ نقل كلامه في هذا الشق كاملاً حتى يكون التفنيد دقيقاً، فالرجل من زعماء الاعتراضات الوهمية، وكلامه مبثوث بالقص واللصق هنا وهناك.
يقول المعترض: "وقد إختلف هؤلاء الكتاب في تحديدموقع فاران ولم يتفقوا على شيء"! وكأن علماءهم هم الذين اتفقوا! ويعلّق على الكـُتاب المسلمين، فيقول عن كلام رحمت الله الهندي: "هكذا دون توثيق"،وعن محمد الشرقاوي: "ولم يذكر لناخريطة تدل على ذلك"، وعن بشريزخارى: "وليته يدلّنا على خريطة واحدة أو مرجع واحد يثبت صحة مزاعمه"!!
القضية لديه إذن قضية توثيق وخرائط! حسناً .. أين توثيقكم وخرائطكم أنتم؟ لقد رأينا - وسنرى أيضاً - تضارب علماء الكتاب المقدس وخرائط الكتاب المقدس في تحديد موضع فاران! فعن أي دقة تتحدثون؟ حقاً لقد صدق المسيح حين قال: "ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها!!" (مت 7: 3).
ثم يعلّق المعترض على ماأورده ياقوت الحموي في معجم البلدان بقوله: "إذ أنه قال: أن فاران موجودة في أربعة محلات وهي مكة والحجاز ومصر وبلاد فارس!!". اهـ
وأنا أقول لجنابه: أنت تعجب من وجود فاران في أربع محلات .. فأخبرني إذن أين توجد الإسكندرية؟ ولا تقل لي إنها توجد في محلة واحدة، فإن ذلك ليس هذا صحيحاً، بل تقع الإسكندرية في مصر والعراق وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان وغيرها، وهي كلها تُنسَب للإسكندر الأكبر. فأي غرابة في ذلك!!
بل .. لننظر أصلاً في فاران المذكورة في الكتاب المقدس .. هل توجد في محلة واحدة فقط كما يزعم هذا المعترض؟ والإجابة بالطبع هي: لا .. الكتاب المقدس نفسه يتحدث عن فارانات لا فاران واحدة! فاعرفوا جغرافية كتابكم يرحمكم